كسر الصمت الدولي

كسر الصمت الدولي

يسجل لفرنسا بصورة شبه دائمة، تمسكها المبدئي والثابت بإحلال السلام في الشرق الأوسط، وتتسم بسياستها بهذا الخصوص بقدر من الدينامية، وقدر أكبر من النزاهة. وزيارة وزير الخارجية ميشيل بارنيه إلى تل ابيب تأتي في هذا السياق، وإن لم ترشح تفاصيل كافية عن المباحثات التي اجراها هناك، وقد حاول الجانب الإسرائيلي فرض أجندته على هذه الزيارة، بالتلويح بالملف النووي الإيراني (ليس هناك ملف نووي إسرائيلي) ومسألة الوجود السوري في لبنان، وهما مسألتان لا بد أنهما قد جرى التطرق لهما في لقاءات بارنيه . غير أنه من المعلوم أن باريس تنسق مع بقية العواصم الأوروبية بخصوص الملف النووي الإيراني . أما الوجود السوري في لبنان، فإن تل أبيب قد تكون آخر طرف يمكن ان تتباحث باريس معها بشانه . وعلى خلاف ذلك فقد جاءت زيارة رئيس الدبلوماسية الفرنسية لتل ابيب، في محاولة لإعادة الاعتبار والاهتمام لسلام الشرق الأوسط، ومن ضمن ذلك إحياء المسار السوري الإسرائيلي، إلى جانب الدفاع عن سمعة فرنسا بشأن الموقف من السامية، أي ومن اليهود كأتباع ديانة بعد حوادث شهدتها فرنسا ضد مسلمين ويهود كما ذكر مرة الرئيس شيراك، وكذلك بعد انكشاف حالتين من حالات إدعاء وانتحال العداء للسامية! . ومهما يكن من أمر، فإن العلمانية الفرنسية تقف بحزم ضد مظاهر التحيز الديني، وفي بلد يمثل فيه الفرنسيون اليهود، ثاني أكبر تجمع لأبناء هذه الديانة بعد الولايات المتحدة، إلى جانب زهاء خمسة ملايين مسلم من حاملي الجنسية الفرنسية أو المقيمين بصورة دائمة في هذا البلد . وواقع الحال، أن تفنيد هذه المزاعم هو أمر مهم بالنسبة إلى فرنسا،من أجل تمكين دبلوماسيتها من نقد السياسة الإسرائيلية، وكان هذا البلد بين بلدان قليلة في العالم احتجت على حملة شارون شمال قطاع غزة، وابدت لوما صريحا لضعف الاهتمام الدولي، بما يجري في الأراضي المقدسة . وقد أبدى بارنييه في زيارته تشجيعه لخطة الانسحاب من غزة، على أن يكون ذلك جزء من حل شامل، وبالتفاوض مع الطرف الآخر المعني، وذلك خلافا لرؤية حكومة الليكود، في جعل إخلاء غزة هو الانسحاب الأول والأخير وبغير تفاوض وترتيب مع الطرف الاخر، وهو ما كشف عنه مدير مكتب شارون قبل اسبوعين . ومن الملاحظ أن وزير الخارجية الفرنسي تحدث غير مرة أثناء زيارته باسم الاتحاد الأوروبي، ومن أجل إفهام مضيفيه بان الخلاف مع دول القارة ال25 ليس أمرا هينا، وإلى ان المجموعة الأوروبية عازمة على لعب دور سياسي، وليس مجرد دور اقتصادي في ما يخص مستقبل المنطقة وسلامها . لقد اتخذت الدبلوماسية الفرنسية مرة أخرى مواقف جيدة، وكسرت الصمت الدولي حول المحنة الجارية .وإذا لم يقصد كبير الدبلوماسيين الفرنسيين السلطة الفلسطينية في زيارته هذه، فقد كان من المؤمل أن يقصد المناطق المنكوبة في قطاع غزة، في لفتة تضامن انساني ومعنوي، إذ لا بد في نهاية الأمر ـ من التقدم خطوات إلى الأمام، فالدبلوماسية وحدها لا تضع حدا لسياسة الكوارث الدائمة، التي تطبع سلوك حكومة شارون، وربما كان المسؤلون الفرنسيون مثل بقية شعوب ودول العالم، ينتظرون تغيرا في البيت الأبيض، كي يتم رفع الغطاء عن السياسة الليكودية، التي لا تحظى بما تستحقه من محاسبة ومساءلة سياسية صارمة .