مغزى الخلط المتعمد بين الدين والسياسة

مغزى الخلط المتعمد بين الدين والسياسة

قد لا تختصر بلدة الفلوجة قرب بغداد محنة العراق والعراقيين، إذ ان الوضع في بقية المناطق لا يقل سوءا، كما أنه في غاية التعقيد حيث أن لكل منطقة وحالة خصوصيتها. غير أن الوضع في هذه البلدة يظل شاهداً واضحاًُ وساطعاً على المحنة. فأهالي هذه البلدة باتوا وقوداً لسجال مدمر بين القوة الأميركية وبين جماعات مسلحة ومتطرفة. وسبق ان جرى اتفاق بين أهالي البلدة والحكومة المؤقتة (مجلس الحكم آنذاك) تم خلاله تسيير قوة من الشرطة العراقية بأمرة ضابط من الجيش العراقي. غير أن هذا التطور العام لم يلبث أن اضمحل، نتيجة استمرار الصراع المشار إليه وبوتيرة متصاعدة دفع ثمنها أهالي البلدة غالياً من أوراح أبنائهم وممتلكاتهم. الآن ومع مطلع شهر رمضان المبارك، دخلت البلدة مجدداً في حومة السجال الدموي بين الجانبين . والأغرب من ذلك أن تتم دعوة الأهالي إلى تسليم مطلوبين وكأن هؤلاء يخضعون لسلطة الأهالي، وكأن للأهالي سلطة ما على هؤلاء أو على غيرهم . إن هذا العنوان الذي تصدر الحملة الجديدة هو خاطئ تماماً . فإذا كان من حق الحكومة المؤقتة ومن واجبها بسط الأمن في جميع ربوع البلاد بما فيها الفلوجة، فذلك يستلزم إشاعة أجواء من المصالحة الوطنية، والتمسك بخطاب السيادة والاستقلال ثم دعوة الجميع للمشاركة في العملية السياسية . يقتضي ذلك بين ما تقتضيه إدارة حوار موصول مع أهالي البلدة وخاصة هيئة علماء المسلمين، والقوى السياسية المتواجدة في البلدة وممثلي مجتمعها . وقد دار حوار بالفعل وتم قطع شوط طويل منه، وقد رغب أهالي البلدة أن لا تدخل قوات أميركية إلى بلدهم . هو طلب ليس تعجيزياً، ما دام أن الهدف هو بسط سلطة الأمن الذاتية أي سلطة الدولة، وليس تمكين القوة الأميركية من إدامة سيطرتها وسلطتها على الأرض، وإلا فيم كان قرار نقل السلطة إلى العراقيين يوم 28 حزيران الماضي ؟. أنه لمن أسوأ الأمور مناصبة الأهالي وممثليهم الخصومة ، من قبيل إنذارهم تسليمهم مطلوبين، إذ أن متابعة هؤلاء هي مسؤولية السلطة ، وليس الناس الذين لا حول لهم ولا قوة ، والذين عانوا كثيراً من جراء المواجهة المسلحة منذ نحو عام وأكثر . لقد رفع مؤيدو مقتدى الصدر السلاح وخاضوا مواجهات ، مع ذلك أمكن الحوار معهم ولو بقدر من العنت والمشقة، حتى تم التوصل إلى نتيجة مقبولة . فلماذا يتم التعامل مع أهالي عزل بأسلوب آخر يضمر ويعلن التهديد، ويقرن القول بالفعل . وما دامت الحكومة المؤقتة تعلن إيمانها وقناعتها بالحوار مع مختلف مكونات المجتمع، فمن الأولى أن تدير حواراً موصولاً مع ممثلي تلك البلدة، بمن فيهم هيئة علماء المسلمين، من أجل الوصول إلى نتيجة عنوانها حقن الدماء، وتمكين السلطة من بسط سيطرتها لحماية المدنيين، والتقدم بثبات وأمل نحو العملية السياسية وأهم محطاتها الانتخابات ، وبأوسع مشاركة من مختلف الفئات والمناطق. إن نذر المحنة المتجددة في هذه البلدة يجب أن تثير قلق الجميع، وأن تدفع لدرء المأساة قبل وقوعها.