اسلام تولستوي

اسلام تولستوي

كنت اعلم ان ثمة مراسلات بين تولستوي اديب روسيا الاكبر وبين الامام محمد عبده، لكنني لم اكن اعلم ان هذا الاديب قد دفعه احساسه العميق بالبطولة الشيشانية الى ان يضمّن روايته «حاجي مراد» اول نبضات قلبه بدين الاسلام. وانه قد اسلم قبيل وفاته وان زوجه قد جهدت في اخفاء هذا التحول الروحي عنده، وان ابنه الاصغر ميخائيل عاش سنوات عمره الاخيرة في المغرب وان هناك من يقطع باسلامه ايضاً .. تلك كلها معلومات اطلعت عليها مؤخراً في مقالة للدكتور محمود علي التائب في العدد الاول من مجلة «التواصل» التي تصدر عن جمعية الدعوة الاسلامية العالمية. وهي كلها مأخوذة من مجموعة كبيرة من ترجمات الى الايطالية لما كتب عن تولستوي، منها مذكراته المعنونة «مذكراتي الذاتية بمفردي» و«مذكرات كاتب» لديستويفسكي، وكتاب «تولستوي» لهيتري ترويات. لقد شاء القدر - فيما يروى الدكتور التائب - ان تتخذ السلطات الروسية من مصنع مهجور قائم بالقرب من مدينة (تولا) معتقلاً للأسرى الاتراك، من بينهم فقهاء اتراك وقوقازيون يعملون ائمة لجنود الجيش التركي وقعوا في الاسر مع الجنود اثناء الحرب الروسية التركية. وكان لتولستوي مزرعة كبيرة في جوار ذلك المعتقل، فتهيأت له فرصة لمعرفة اعمق لدين الاسلام، وان يُبَصَّر به على ايدي من يجيد الروسية من اولئك الائمة والفقهاء الاسرى. وكان يرافقه ابناؤه ومدير المعتقل. وكان مما استغربه ان معظمهم يحمل في وفاضه العسكري مصحفاً يتلو صفحات منه في اوقات فراغه، وانهم كانوا فرحين بالسماح لهم بالاذان للصلاة وباقامتها في اوقاتها. وذكر المؤرخون - فيما لا يزال الدكتور التائب يرويه - ان ابن تولستوي الاصغر ميخائيل كان احبهم اليه. وانه كان يميل الى افكار والده ويرتاح لها، ولم يكن يحفل بما توصيه به امه من التماس ادعية القسيس، وكان يعتبر امه مسؤولة عن هرب والده من قصره في تلك الليلة الممطرة الكئيبة ليموت ميتة المشردين الغرباء، وانه هجر روسيا عقب هزيمتها في الحرب العالمية الاولى الى فرنسا، ثم الى المغرب الذي استقر فيه تسع سنوات قبل ان تدركه المنية عن عمر يناهز الثمانين. لقد ذكر الدكتور التائب ان من مراجعه كتاب «مذكرات كاتب» لدستويفسكي الروائي الروسي المعروف، صاحب كتاب «ذكريات من بيت الموتى» الذي كتبه عن تجربة سجنه في سيبيريا، ونحن نستذكر هنا ان دستويفسكي كان قد طلب الى اخيه ان يزوده بنسخة من القرآن الكريم اثناء وجوده في السجن. وتلك كلها وقائع تثبت - الى ما هو ثابت عن تأثر يوشكين بالاسلام - ان النخب الروسية قبل سيطرة الماركسية على بلادها، كانت تميل الى الاسلام على نحو او آخر، شأنها في ذلك شأن النخب الالمانية في القرن الثامن عشر وما يليه الى ان سيطرت مناهج الاستشراق الاستعماري على الرأي العام الاوروبي، وامكن للصهيونية ان تفعل فعلها في تشويه صورة الاسلام والمسلمين. ولسنا نستغرب، في ضوء ذلك كله، ان تقوم جماعة روسية تطالب بأن يكون الاسلام هو الدين القومي للروس. وان يكون هو البديل للماركسية في البنية الوجدانية للأمة الروسية. كما اننا نأمل ان يكون للارثوذكس العرب دور كبير في تواصل ثقافي عربي بين امتهم العربية وبين الشعب الروسي الذي ينظر كثير من مفكريه وادبائه الى الاسلام بعميق الاحترام ..