الإرهاب يقطع «الطريق إلى كابول» !
12:00 18-10-2004
آخر تعديل :
الاثنين
الإرهاب يقطع «الطريق إلى كابول» !
مع رضوخ الكثير من الدول إلى مطالب الجماعات الإرهابية في العراق وبخاصة تلك التي تدعى الإسلام، فقد تنامى طموح هذه الجماعات بعد الحالات التي استجابت فيها دول وشركات وأجهزة أمنية إلى مطالب الإرهابيين إما بمغادرة العراق أو باتخاذ مواقف سياسية محددة تخدمها، تنامى مشروع هذه الجماعات للدرجة التي وصل فيها حد التدخل في النتاج الفني و الأدبي و الإبداعي للعقل العربي الحر الخارج عن نطاق سيطرة تفكير هذه الجماعات، وربما يكون بيان التهديد الذي أطلقته إحدى هذه الجماعات ضد عرض المسلسل التلفزيوني «الطريق إلى كابول» أحد النماذج التي تشخص مدى حالة التغول التي اخذت تمارسها هذه القوى ضد المجتمع العربي والإسلامي ومدى الإذعان الذي اخذ يتعاطى به البعض مع هذه الأفكار وهذه الآراء التي اختطفت الاسلام و الان تريد اختطاف المسلمين وسلبهم ابسط أنواع الحرية، ليتحولوا إما مجرد رهائن لأفكار هذه الجماعات الإرهابية أو ليتحولوا إلى أبواق لها يرددون ما تريد ويصفقون لها وإلا فانهم سيتحولون إلى مجرد زنادقة وكفار وعملاء حلال قتلهم و دق أعناقهم أو سمل عيونهم .
مجموعة أسباب أدت بهذه الجماعات الظلامية إلى التغول على بقايا العقل العربي المتحرر بهذه الطريقة وهي :
أولا : انخداع أغلبية النخب السياسية والمثقفة في العالمين العربي و الإسلامي بخطاب هذه الجماعات وتصورها بان مجرد طرح تلك الجماعات لخطاب معاد للولايات المتحدة و إسرائيل، يفرض عليها فرضا ' وهو أمر ناتج عن حالة العجز أمام واشنطن وتل أبيب ' أن تكون مؤازرة لهذه الجماعات أو على الأقل غاضة للنظر عن تلك الماسي التي يرتكبها هؤلاء باسم الدين و الإسلام والجهاد،، .. وقتل المدنيين في العراق وغيره هو اكبر مثال على ذلك، وما مصطلح المجاهدين الذي يطلقه البعض على تلك الجماعات الإرهابية أو مصطلح المقاومة لهو اكبر دليل على حالة الخداع التي تمارسها هذه النخب بحق عقلها وبحق عقل الشارع العربي والإسلامي .
ثانيا : ضعف رد فعل الإسلام المعتدل والوسطي وعدم قدرته على مجابهة خطاب تلك الجماعات الإرهابية الذي يجمع بين الدعوة والجهاد ومعاداة أميركا وإسرائيل، وذلك لاعتقاد الإسلام الوسطي أن التصدي لمثل هذا الخطاب الديماغوجي سوف يسئ إليه أمام الشارع العادي على الرغم من انفضاح دور هذه الجماعات الإرهابية وبروز الأثر التدميري لممارساتها على صعيد حياة الناس واستقرارها و أمنها، وجرها نحو الفوضى والقتل والتدمير .
ثالثا: ضعف رد الفعل الرسمي العربي على خطاب وممارسات تلك الجماعات الإرهابية وقصر التعامل معها ومع سلوكها بالبعد الأمني فقط وتجاهل مدى الدور التخريبي للخطاب الديني المزيف الذي تستخدمه هذه الجماعات، وعدم البحث عن الوسائل التعليمية والتثقيفية و الإعلامية للتصدى له وتعريته وفضحه .
رابعا : خوف وتردد الكثير من المثقفين العرب غير المؤمنين بهذا الخطاب وتلك الجماعات من التصدي علنا لها وذلك خوفا من رد فعلها الإجرامي وبالتالي تفضيل عدم التصدي لها سواء سياسيا أو ثقافيا عن التصدي المقرون بالقتل والدم، وانحصار هذا الدور المهم في قلة قليلة جدا من الكتاب و الأدباء العرب والمسلمين، وهو ما شجع تلك الجماعات على زيادة تغولها على الجميع وفي كل الأبعاد، السياسية و الأمنية والعسكرية و الان ها هي تدخل حقل الثقافة و الإبداع .
لقد أثبتت التجارب أن الاستجابة إلى مطالب هذه الجماعات مهما كانت، هو نوع من أنواع المكافأة لها وتقديم العون اللوجستي لاستمرار إرهابها ولبرنامج القتل والتدمير والخراب الذي تتبناه و لاتعرف غيره، ولذلك فإنني استغرب كيف أن التلفزيون القطري المنتج للمسلسل وبكلفة مالية تصل إلى 2 مليون دولار أميركي، يقبل تهديد لواحدة من هذه الجماعات منشور على الإنترنت ويستسلم لطلبها ويضغط على التلفزيونات التي اشترت المسلسل من اجل وقف عرضه،.. انه موقف غير مفهوم على الإطلاق، فالمسلسل في بداية العرض ومنتجه الاستاذ عدنان عواملة ومخرجه الاستاذ محمد عزيزية وكاتبه الاستاذ جمال أبو حمدان يدافعون عن مضمونه وموضوعيته وسرده التاريخي الواقعي لحقبة الحرب الأهلية في أفغانستان وما تلاها من تداعيات من حكم طالبان إلى الإطاحة بهذا الحكم على يد القوات الأميركية .
إن الاستجابة السريعة من التلفزيون القطري لوأد عمل إبداعي مكلف وكبير على كل الصعد وبهذه السرعة وتنفيذا لرغبة جهة مجهولة وقد تكون وهمية ولبيان على شبكة الإنترنت، كلها أمور تدعو إلى التساؤل والحيرة والاستغراب، فمثل هذه الاستجابة إن استمرت لن توقف الإرهاب ولن تعالجه ولن تقلل من مضاره بل على العكس تماما فإنها توفر له النجاحات وتوفر له الوقود والدعم المعنوي الذي يجعله يرى في نفسه قوة ضاربة قادرة على فعل كل شئ متى شاء وفي المكان الذي يريد .
إن نجاح هذه الجماعة الإرهابية في وقف مسلسل الطريق إلى كابول، سوف يجعل مثل هذه الجماعات غدا تتدخل في نوعية المقالات التي تكتب في الصحف بعد أن تهدد رؤساء تحريرها ونوعية البرامج التي تبثها الفضائيات ونوعية الكتب التي تطبعها دور النشر لتختطف بذلك تلك الجماعات ليس الدين فحسب، بل الدين والفكر والعقل، .. فهل مطلوب منا أن نسمح لها بتحقيق ذلك وان نكون ضحايا جاهزة للخطف أو القتل أو الترويع ؟
rajatalab@hotmail.com