متفائلة

متفائلة

موجات من الضباب الكثيف تهبط فوق روحها، تهطل عليها تباعاً تشدها الى الاسفل، تشعر بثقل الجفون فوق العيون... تغرق في ما يسمى ببحر الاكتئاب. اسراب جديدة من الضباب على شكل طيات سميكة تهجم عليها لتقنعها ان لا وجود للشمس، وان زرقة السماء بعيدة وان الحقيقة سراب في سراب. تسود الصورة في عينيها حين تغربل الايام، كثير من الحصى يسد منافذ الغربال... تهرب منها حتى الاحلام.... تتبعثر الساعات على مساحات الملل حين يخبو الامل... تفرغ بصرها بين صفحات جريدة ترميها بحنق. فكل سطر فيها يحكي حكاية ذل لأهلها الاعراب. يجف الحاضر بين يديها ويقسو... تهزه بقوة... تحاول تمزيق شرائح الضباب تستنجد بالماضي... بأحاديث الكتاب، ترش عليهم بعضاً من رذاذ الامس حيث كان الشباب شباباً... وكان سيد الوقت، والساعات ملأني حتى الثمالة ، والأهل والاصدقاء والاقرباء هم الأحباب الساكنون داخل العيون والاهداب. تستعرض المنجزات تسرد على ذاتها نعم المولى.. ينصحنها الرفيقات من رحاب ورباب ان الدنيا ما زالت بخير، وان حصاد العمر عمار، تصر على ان العالم يسير من خراب الى خراب. تهش عن عينيها اسراب الذباب... تتجنب كل ما يثير الاعصاب تعتكف .. تقاطع العالم الخارجي... تغطس في داخلها... تنبش ، تنبش.. الدنيا ظلام.. تطرح الكثير من الاسئلة: لماذا؟ كيف؟ متى؟ واين؟ تغفو لا تجد لاسئلتها الجواب. قتل الانسان ما اكفره! ماذا تريد اكثر مما لديها؟ هذه الطماعة في الدنيا... وهل بقي رقم من عمرها لم تجدوله في دفتر الحساب؟؟ ما همها الارقام !! المهم... اين هم!! العمر، الاهل ، الاصدقاء، الوطن ، الاحباب... تخشى ان يقتلها الحزن قبل موعد الفرح... لهذا اذن كل هذا الاكتئاب!! ربما ... او ربما لأن نشرة الاخبار حمراء!! او لأن الجرس اخرس، او لعله في الشباك، ام صدأ اغلق عليها الباب... تفتح الخزانة محاولة الهروب... تلقي على الجسد المتمالك كبرياءه اجمل انداب الثياب... تقف امام المرآة... لا! لا! ليست هي تلك المرأة الضاجة بالحياة، و التي على صفحة مرآتها كان الحسن ينساب... لا طعم للاشياء... لا نكهة للاشخاص، لا مذاق لاحلى شراب... الذنب ذنبها... كانت معطاءة... ما اغباها...!! ماذا لو كانت انانية نوعاً ما لتسعد نفسها، وتلم ما بقي لها من اتراب... تناقش معهم القضايا الهامة، تتلمس مشاكل العامة... هنا تدخل فعلاً في الاكتئاب... فقضيتها قضية سلب للتراب، والناطق الرسمي باسمها كذاب، وعدوها اقبح من غراب، وامتها بكاملها تعوي في داخلها من الم الصمت الفاجر وتحسد جرأة الكلاب. رغم كل شيء تصر سيدة الكبرياء ان تبحث عن الشمس، ان تقاوم الضباب، كما تصر المقاومة ان تتصدى لمخترعي الارهاب. فالمقاومة على الصعيدين الذاتي والعام هي مصنع التفاؤل...!!