مغزى الخلط المتعمد بين الدين والسياسة

مغزى الخلط المتعمد بين الدين والسياسة

القانون الذي أعده الكونغرس الأميركي ووقعه الرئيس المرشح جورج بوش لا يأتي بجديد ، فهذا القانون يوكل لوزارة الخارجية الأميركية ، مراقبة مظاهر العداء للسامية في العالم ، وتقديم تقارير سنوية بهذا الشأن. فالمقصود بهذا القانون هو النظر بعين العطف إلى «دولة اليهود» أيا كان عليه سلوك هذه الدولة. وليس المقصود به اليهود كأتباع ديانة ، فهؤلاء هم افضل أحوالا في العالم اجمع . ولو كان الهدف حماية اصحاب دين سماوي ما ، لتم وضع قانون يحرم التمييز ضد الأديان جميعها . إذ لا يعقل أن يجري تمييز إيجابي لمصلحة أتباع دين ما ، واستثناء الأديان الأخرى . وبهذا فإن الهدف الجوهري والأساسي لهذا القانون ، هو إعفاء الدولة التي تقدم نفسها باعتبارها «دولة اليهود»، من أي تبعية او مساءلة عما تقترفه من آثام ، وتحت طائلة التمييز والاتهام باللاسامية . ولا يأتي القرار بجديد ، لأن سياسة الإدارة الجمهورية في الشرق الأوسط ، قامت على الدفاع عن مصالح الاحتلال الاستيطاني العسكري الإسرائيلي ، منذ أقل بقليل من أربع سنوات . والقرار الجديد ، يسعى إلى استخدام ذخيرة أيديولجية دينية ، للتغطية على التحالف غير المقدس بين هذه الإدارة وبين أعداء السلام الذين يحكمون في تل أبيب. هناك بطبيعة الحال الحملة الانتخابية ، كباعث على إصدار هذا القانون «في هذا الوقت بالذات» .فالرئيس المرشح يسعى لكسب اصوات الأميركيين اليهود ، في معركته المستميتة للبقاء في البيت الأبيض . ومعلوم أن غالبية الأميركيين اليهود يصوتون للحزب الديموقراطي ، لأن هذا الحزب أكثر احتراماً للأقليات والتنوع الديني والثقافي من الحزب الجمهوري . وقد شاء الرئيس المرشح أن يعلن عن قراره هذا في ولاية نيويورك التي تتمتع بـ « ثقل يهودي». وبهذا فإن الأهداف الانتخابية والحزبية شكلت عاملا إضافيا لإعلان مصادقة الرئيس المرشح على القانون ، الذي يسهل استغلاله وتحويره من أجل تصوير أي نقد للسياسة الشارونية، على أنه من قبيل اللاسامية . فيصبح نقد تلك السياسة تبعاً لذلك بحكم المحظور. وهذه اللاعقلانية التي تقوم على الخلط المتعمد بين الدين والسياسة . هي بعض من ملامح النهج الذي اتبعته الإدارة الجمهورية ، وادى إلى تعطيل لغة الحوار مع بقية مكونات عالمنا . فيما نال العالم العربي الحظ الأكبر من هذه النعمة ، مع تحويله إلى مسرح لحربين يخوضهما الطرفان الأكثر محافظة وتطرفاً في عالمنا . والرد على هذا القانون ، لا يتمثل فقط بتخطئته إذ يقول على التمييز بين أتباع الأديان ، ولكن أيضاً بمواصلة النقد الحازم والشجاع للشارونية ، كسياسة معادية للسلام والتعايش، تناصب الشعوب وبقية الأديان العداء السافر . مع التدقيق الصارم بين أصحاب هذه السياسة ، وبين اتباع الديانة اليهودية ، فصراعنا هو مع الاحتلال والتوسع والعنصرية، وليس صراعاً من قريب أو بعيد مع اتباع أي دين.