من المؤكد ان افكار الانسان بعد ان تجاوزت نطاق الاصل الذي نشأت فيه، وبعد علوها على حدود الوطن الذي ظهرت فيه، بدأ التنافر يزول تدريجياً بين القومية والعالمية، اذ ان العلاقات الانسانية تزداد دعائمها رسوخاً بمضي الزمن، وتزداد تقارباً بفعل عوامل تكنولوجية وحضارية... فالفواصل والحواجز الجغرافية والفكرية بين الامم تتساقط سريعاً، والاتجاه العقلي او الفني او الادبي يفرض نفسه على بيئات متباينة كل التباين.
ان الفكر الانساني - ينتشر بسرعة مذهلة، دون ان يجرؤ احد ان لا يفتح له الابواب او اقفالها، فالكلمة هي المزية التي انفرد بها الانسان دون سائر الكائنات، لأنها القدرة على مجاراة الانسان عبر الزمان والمكان، ومن ثم فهي من الناحية العامة انسانية - عالمية - ومن الناحية الخاصة محلية وطبقية وقومية ، وهي في نهاية المطاف، مقوم اساسي من مقومات الوجود الفردي والجماعي.
اذن، بالكلمة سقطت الحواجز بين القومية والعالمية، حتى ان بعض المفكرين يتنبأون بأن العالم سيضطر - تحت تهديد الحروب النووية، او مكافحة الارهاب الدولي، او دعوات الاصلاح العالمي - الى توحيد المواقف سياسياً وفكرياً، لأنها البديل الوحيد عن الفناء التام او الانصهار في حضارات الاخرين، وسواء صدقت النبوءة ام كذبت، فالعالم المعاصر - لا محال - سيشهد تغييراً شاملاً وتعديلات اساسية في مفهوم القوميات المحلية.
وان العالم وبعد هيمنة القطب الواحد عليه، سيجد نفسه مضطرا، بحكم الظروف الحتمية الى الاقلال من اهمية الحواجز او القومية ، فالانسان وبعد ان حط على ظهر القمر ووطأت سفنه الفضائية سطح المريخ، فهل يشك احد في ان مثل هذا الانسان ومعه العالم كله، سيقف مبهوراً امام الكشف الجديد... سينظر الى الارض نظرة تعلو على تخطيطات الحدود السياسية والجغرافية او الفوارق الضئيلة في الصفات العنصرية... ان تصبح وحدة تفكيره في الكوكب الواحد بعد ان كانت في اقدم العصور في القبيلة والعشيرة ، ثم اصبحت المدينة ثم تحولت الى الدولة في عصرنا/، تلك كلها احتمالات حقيقية، ينبغي ان نفكر فيها جدياً، لكي ندرك طبيعة العصر الذي نحن مقبلون عليه.
اذن، هناك ظروف حتمية تؤدي بالانسان الى تجاوز التعارض بين القومية والعالمية، وفي مقدمتها حتمية الاصلاحات العالمية، وازاء ذلك، احسب ان الفلسفة ستكون اسرع هذه المجالات استجابة للمتغيرات العالمية، ذلك لأن الفلسفة تميل بطبيعتها الى العمومية والشمول ، وهدفها دائماً انساني قبل ان يكون قومياً. ان الفلسفة مبحث عقلي والعقل هو اساس التوحيد بين البشر، وهو ينزع تلقائياً الى تجاوز الفوارق الضيقة ، ولا يعرف له حدوداً الا «عالم الانسان» بما هو كذلك.
قومياً... هناك من يقول: نحن في الوطن العربي لنا فلسفة عربية صاغت لنفسها مشكلات ، كمشكلة العلاقة ين العقل والنقل او بين الحكمة والشريعة. وقد اصطبغت هذه الفلسفة بصبغة محلية وقومية لا شك فيها. ونقول: ان القوة الدافعة لظهور هذه الفلسفة، كان تأثر المفكرين العرب بمؤلفات اليونانيين القدماء، عندما نقلت الى لغتهم ، وان هذه الفلسفة عندما نضجت وقدمت الى العالم مؤلفات اصيلة وشروحاً عميقة على اعمال كبار الفلاسفة اليونانيين، قد نقلت الى الفكر العربي، وكانت دعامة اساسية من دعائم تلك النهضة العقلية والعلمية التي تميزت بها اوروبا منذ اوائل العصر الحديث.
وفي الحالتين لم يكن الطابع القومي للفلسفة العربية حائلاً بين العرب وبين الاخذ بتوسع من اليونانيين، او بين الاوروبيين وبين الاخذ بتوسع من العرب. ولم يحاول احد، في تلك العصور الغابرة ، ان يضع تعارضا بين القومية وبين التأثر بأفكار الامم الاخرى.
ان القومية امر لا مفر منه لأي انسان ، ما دام الانسان كائناً يرتبط حتماً بظروف مكانه وزمانه، لكن هذا الكائن الانسان ، برغم تقييده بالظروف تجعل منه «فرداً» هو في الوقت نفسه ذو علاقات تربطه بسواه، لا على سبيل العرض الذي قد يحدث او لا يحدث بل على سبيل الضرورة والحتم.
وباختصار شديد، ان العالمية ليس معناها فناء القومية فيها، وانما معناها تطور القومي بحيث يتيح فرص التلاقي والانسجام، دون ان يفقد بأية حالة شخصيته المميزة ذلك ان العالمية تحتاج الى كل وحدة قومية متميزة ، كما تحتاج السيمفونية الى كل لحن لتتكون فيها تكوناً منسجماً عاماً.
وفي الجملة، نحن في الوطن العربي، ينبغي الا نبالغ في ابراز الجانب القومي وحده في الفلسفة، او في ابراز الجانب العالمي وحده، بل علينا رسم خطة لبناء فلسفة قومية جديدة لنا في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخنا، تشتمل على العناصر التي تضمن لها البقاء والصحة في مواجهة التحديات العالمية الكبرى.