آخر ما توصل اليه بعض علماء النفس المولعين بوضع تصنيفات للشخصيات الانسانية، نموذج شاء احدهم ان يسميه بنموذج «المرأة الطيبة» وبقدر ما توحي به التسمية من جمال وعطاء، بقدر ما ينشغل العالم نفسه بشرح الاعراض والظواهر التي تتسم بها هذه الشخصية ليرشد السيدات اخيراً الى سبل الوقاية منها!
يقول العالم النفسي ان التجارة الوحيدة لتلك المرأة هي كسب رضى الاخرين حولها في كل وقت وفي كل حين دون كلل او ملل لأن شعارها في الحياة، على عكس السائد، ان رضى الناس غاية تدرك... لذلك فتحديها الاكبر هو ان تبقى في مستوى توقعات الاخرين منها، ثم انها حسب رأيه تمتلك قدرة جبارة على منع نفسها من الشكوى او التذمر مهما بلغ تعبها، تعبها هذا الذي تمحوه سريعاً ابتسامات الرضى التي تسعى لأن تتلقاها من المحيطين.
وهي امرأة رغم طاقتها العظيمة على العمل المستمر، تجدها عاجزة عن توجيه اي نوع من النقد للاخرين، ولديها قدرة دائمة على كبت غضبها وكتمه، واشد ما يؤرقها لمحة استياء من احدهم تجاهها، فحدث كذلك كفيل بمنع النوم من عينيها لليال طويلة الى ان تبادر هي للسؤال ومعرفة سبب الاستياء والاعراض لتعمل سريعاً على تصحيح الموقف بعد نتيجة تقليدية تصل اليها عادة مفادها انها هي التي اخطأت اصلاً!
هي امرأة تحب دون حدود وتحنو دون حدود. ولا يهمها قطعاً ان تتلقى مقابلاً لأي من كل ذلك، كما انها موجودة متوفرة دائماً رهن طلب الاخرين. وقلما تعتذر او تغيب، وفي شأن الغياب يعلن العالم تحذيره الصارخ لها، اذ يقول: اذا غابت فلا يفتقدها احد مهما ادعوا غير ذلك. انهم يفتقدون خدماتها ليس الا! فهي امرأة قررت مسبقاً الغاء ذاتها، فلم يهتم الاخرون بما حسمت بإقصائه اصلاً؟
الى هنا وينتهي رأي العالم النفسي ليتركنا في مواجهة هذا النموذج الذي غالباً ما يحتل مساحة كبيرة في حياتنا ، اذ ننظر حولنا فنراه متمثلاً غالباً في الوالدة او الزوجة او الجدة... انه النموذج الاكثر تواجداً في مجتمعنا، ولعله الاكثر حضوراً هذه الايام، ايام الشهر الفضيل الذي يتكئ فيه كل افراد الاسرة الصائمين على مخلوقة واحدة مطلوب منها تلبية كل الرغبات والشهوات والطلبات، واحتواء كل حالات النزق والغضب الناتجة عن الصوم احياناً، رغم انها هي نفسها ايضاً قد تعاني من اعراض مماثلة ورغم انها قد تكون تبذل اضعاف الطاقة التي يبذلها بقية افراد الاسرة، خاصة اذا كانت عاملة خارج المنزل.
وفي حين يوجه العالم الاجنبي رسالته التحذيرية الى المرأة الطيبة نفسها، قد نجد نحن هنا و بما يتسق مع قيمنا الجميلة ان الاولى بالتحذير هم المحيطون بها والمستفيدون من وجودها وخدماتها. تحذير مفاده ان تقديم العون لها والحد من استنزاف طاقاتها هو جزء اساسي من افعال الخير التي يفترض ان تتعزز في رمضان ... وفي غير رمضان!
اخيراً، اطال الله اعمار نسائنا الطيبات والهمنا حسن التقدير لجهودهن والتخفيف من تعبهن حتى نثبت على الاقل اننا جديرون بكل هذا الحب الذي يغدقنه علينا بلا مقابل وبلا حدود...