انشغلت ثلاث صحف يومية خلال الأسبوع الماضي ، بنبأ غير مؤكد عن استقالة تقدم بها نائب رئيس الوزراء وزير الصناعة والتجارة د. محمد الحلايقة . وجاء هذا الانشغال، في سياق تعديل وزاري مرتقب ولم يعد سراً، حيث تم وضع د.الحلايقة في تلك التسريبات ، في عداد من سوف يشملهم التعديل.
ومع النفي ونفي النفي، ثم التوضيح الذي نقلته وكالة بترا وجرى نشره الجمعة أول من أمس، فإن المسألة لم تحسم نهائياً، إذ أن خلاصة ما نسب لـ (د. الحلايقة) عدم نفيه أو عدم تأكيده الأنباء التي تحدثت عن تقديمه الاستقالة، وأن الصحفيين والمراسلين لجأوا إلى تأويلات أو تقويلات !.
هناك كما هو واضح ، اندفاع وسباق صحفي نحو التقاط ما يفيد بوجهة التعديل المنتظر . وهناك التنافس الذي ازداد بين اليوميات ، مع صدور يومية خامسة .. بالعربية . ومن الواضح أيضاً أن هناك تأثراً أو مماشاة لأسلوب بعض الأسبوعيات، في الاستعجال وتحويل التكهنات والتقديرات إلى أخبار نهائية . علماً بأنه يسع اليوميات أن تسمي الأشياء بأسمائها،ولا تتجاوز ذلك إلى نشر أخبار غير مؤكدة أو غير نهائية . فيجري الاكتفاء مثلاً ، بالحديث عن استقالة محتملة لم يجر البت فيها . وإذا كانت نسبية مثل هذا الخبر لا تغري الصحفيين فإنها في المقابل تحقق المصداقية أو الصدقية،وهذا بحد ذاته كسب معنوي يتعين عدم الاستهانة به.
ولن ينجرف المرء هنا للوقوع في الخطأ نفسه ، بالتكهن بالخبر الصحيح واليقين، رغم أنه في متناول اليد إلا أن ما يستحق التنويه به في هذه المناسبة، وفي ضوء هذه التجربة ان استقالة وزير ما لم تندرج بعد في تقاليدنا السياسية، رغم حالات استقالات قليلة . إذ يجري تفسير استقالة ما إذا ما تمت ، على أنها تمس بالتماسك الوزاري وبالعلاقة بين الفريق الوزاري، كما قد تفتح الباب أمام مختلف أنواع التكهنات حول أسبابها ودوافعها.
هذه الحساسيات والتحرزات موجودة وقائمة ، وهي جزء من مزاج عام وثقافة عامة، علماً بأن استقالة أي مسؤول هي جزء من الحياة العامة والحراك العام. وليس هناك في المؤسسات انسجام مطلق ودائم ، إلا في الأنظمة الشمولية ، التي يسير فيها الجميع على «الكاتالوغ» . اما في الأنظمة الديمقراطية والعصرية ، فإن الأمر يختلف، ولا يثير حساسيات غير عادية. إذ يعتبر في حال حدوثه دليلاً على الشفافية، وعلى اختلافات قد تكون مفيدة ومنتجة في نهاية المطاف . إذ يقف الناس على أوجه الاختلاف ويتمعنون فيها، وينحازون إلى الرأي الذي يرون فيه صواباً.
وفي أضعف الأحوال يثور نقاش مفيد حول اجتهادات مختلفة . وبطبيعة الحال فإن الشرط لذلك هو أن تكون الاستقالة معللة.
وهكذا ومع قرب إجراء التعديل الوزاري في غضون أسبوعين، فإن الأنباء عن الاستقالة غير مؤكدة أو غير صحيحة ، لا تمثل بحد ذاتها عامل قلق وإزعاج . وبما يتعدى شخص د. الحلايقة وموقعه والذي خدم في أكثر من حكومة وكان من وجوهها البارزة ، فإنه من المنطقي أن يغادر وزراء وتُعهد حقائب وزارية لشخصيات أخرى. لقد حدث ذلك من قبل عشرات بل مئات المرات في تاريخ المملكة والحكومات، ومن الأفضل والأوفق التخفف من الحساسيات الزائدة وتنوير الناس ما أمكن ذلك ببواعث وموجبات التغيير، وإلا ففيم حديثنا المتكرر عن الشفافية والمصارحة ؟.