بشغف يسعى قادة الاخوان المسلمين للعودة الى احتلال منابر المساجد واستعمالها كما كانوا في عهد الحكومات السابقة والاستفراد بها عن سائر التيارات والاحزاب والقوى السياسية وتطويعها لصالحهم وتسويق سياساتهم من خلالها، فهي سلاحهم الاقوى حزبيا وهي شرعيتهم الاولى التي يتمسكون بها في تسويق انفسهم باعتبارهم حزبا سياسيا يتمسك بالمنهج الاسلامي كطريقة وخيار واسلوب حكم.
رئيس الحكومة النزّاع الى التهدئة وعدم التصادم معهم اعتمادا على الموروث الملكي والتزاما منه بادارة الهاشميين للحكم وفي كيفية التعامل مع المعارضة، وعد قيادتهم يوم 12/9 بالاستجابة لمطلبهم الملح بالعودة الى الخطابة من على منابر المساجد، اذا اثبتوا خلال اشهر قليلة انهم جادون في الالتزام بالمعايير الدستورية والقانونية والسياسية والاخلاقية من ناحيتين:
الاولى عدم المساس بالشخصيات الاردنية وعدم تكفيرها وعدم تخوينها سواء كانت مسؤولة او نقابية او برلمانية تعمل بالعمل العام.
والثانية عدم المساس بالقيادات العربية ورموز النظام العربي.
وقد اصدر الحزب بيانا على اثر اللقاء مع رئيس الوزراء يوم 12/9 قالوا فيه:
«تم الاتفاق على اغلاق ملف الازمة بالافراج عن المعتقلين ووقف ملاحقة المطلوبين والتوقف عن طلب تعهد من الاشخاص الذين لم يوقعوا، كما تم الاتفاق على اعادة عدد من الخطباء الممنوعين من الخطابة، وفي الوقت ذاته أكد الوفد «وفد قيادة الاخوان المسلمين لرئيس الوزراء» أكد التزامه كسابق عهده بالمعايير الشرعية والقوانين المرعية».
وتجدد الصدام مثلما تجدد الوئام يوم 30/9 حينما التقى رئيس الوزراء مع بعض رؤساء الكتل البرلمانية على خلفية محاولات الاجهزة الامنية توقيف او استدعاء النائب محمد ابو فارس على اثر خطابه يوم 20/9 في ذكرى الاسراء والمعراج، وقد اثمر اللقاء مرة اخرى عن تجديد تعهد الاخوان المسلمين بما تم الاتفاق عليه يوم 12/9.
وكان ذلك قبل الانفجار الاخير بين وزير الداخلية سمير حباشنة ونواب الاخوان المسلمين يوم 4/10 في اللقاء الذي جمع الوزير مع لجنتي الحريات العامة والقانونية.
طرفا الحوار الصدامي والاشتباك السياسي سعيا كل من طرفه لحشد التأييد لوجهتي نظرهما، فكانت الغلبة للحكومة، بعد ان كشفت المستور وافرجت عن وثائق وتعاميم داخلية للاخوان المسلمين، وسربت نص خطابات نواب الحزب يوم 20/9 في ذكرى الاسراء والمعراج وما تضمنته تلك الخطابات من تجاوزات سياسية وامنية وقانونية ودستورية، مما دفع اغلبية النواب لاعلان انحيازهم للحكومة في مواجهة الاخوان المسلمين.
مجلس النواب، باغلبيته، واغلبية كتله البرلمانية وهي التجمع الديمقراطي، وكتلة وطن، وجبهة العمل الوطني، الجبهة الوطنية، الاصلاحيون، واربعة من المستقلين باستثناء كتلتي الاخوان المسلمين والكتلة الوطنية الديمقراطية التي يرأسها عبدالرؤوف الروابدة، صاغوا مذكرة يمكن اعتبارها «وثيقة تاريخية» يوم 10/10 من حيث المضمون والمحتوى، حددت معايير ووقفت امام سياسات والزمت الحكومة بوضع ضوابط في التعامل مع التيارات السياسية، وهي وثيقة لا تتوسل فقط اسناد هذه الحكومة بالذات ودعم توجهاتها السياسية وبرنامجها التطبيقي والانحياز لخياراتها فحسب، بل وضعت ارضية للتعامل الرسمي مع الاخوان المسلمين وفق منظور دستوري قانوني عملي.
فقد عبرت الوثيقة عن قلق الموقعين عليها «ازاء تصاعد نبرة التحدي للقانون» و«زيادة وتيرة خطابات التخوين والتكفير مما يشكل تحديا صارخا لثوابت الدولة الاردنية»، ولذلك قرر الموقعون «مساندة جهود الحكومة بكل قوة لتطبق احكام القانون وحماية الدستور من كل اشكال التجاوز او التحايل» ودعوا الى ان «تظل هذه السياسة ثابتة لا تقبل المجاملة او المساومة او الابتزاز»، وقدر الموقعون سياسة الانفتاح التي تمارسها الحكومة على «كل مكونات المجتمع وتعبيراته الفكرية والسياسية والاجتماعية» ولكنهم دعوا في نفس الوقت الى ان تكون هذه السياسة منفتحة «بلا تمييز او محاباة او رعاية خاصة لفئة دون اخرى حتى لا تأخذ فئة بعينها وزنا سياسيا وتأثيرا اكبر من وزنها وحضورها الحقيقيين (ويقصدون بذلك بدون شك جماعة الاخوان المسلمين)».
وقد خلص البرلمانيون الموقعون على وثيقة 10/10 الى مطالبة قوى المجتمع ومكوناته الحزبية والفكرية والسياسية والاجتماعية وفي مقدمتها الكتل البرلمانية الى: «احترام اسس وقواعد واداب الحوار واحترام الدستور والقانون» ورأوا ان «من يخرج على هذه الثوابت يضع نفسه خارج اسس وقواعد العملية الديمقراطية».
واضح من خلاصات الرؤية البرلمانية انها ترفض منح الحزبيين من جماعة الاخوان المسلمين المحاباة الحكومية او الرعاية او الامتياز الخاص بتولي الخطابة من على منابر المساجد للاخوان المسلمين «كفئة» دون غيرها، وهي خلاصة لا تستطيع الحكومة تجاهلها، خاصة وان دوافع الكتل البرلمانية واغلبية اعضاء مجلس النواب تداعت لهذا الموقف على خلفية التباين والخلاف بين الحكومة وحزب الاخوان المسلمين، وعبروا عن دعمهم للحكومة في مواجهة الاخوان المسلمين.
وثيقة العاشر من تشرين اول تاريخية بكل ما تحمل من معنى وابعاد وسيكون لها اثر بالغ مستقبلا وسلحت الحكومة وقوتها من اجل الاصرار على تطبيق معايير الدستور والقانون باتجاه التحرر من الماضي وعقلية الاستئثار بالمساجد، وهي لا شك فرضت حالة من العزلة على الاخوان المسلمين باتجاه اتخاذ سياسات دفاعية بدلا من حالة المبادرة والهجوم التي ميزتهم خلال السنة الاولى من عمر البرلمان الرابع عشر وهي سياسة فجرت لهم المشاكل والمتاعب عدة مرات، ولكنها اثبتت انهم اصحاب موقف ورؤية، يجيدون من خلالها سياسة الكر والفر والتقدم والتراجع وفق مصالحهم الحزبية المشروعة.
عودة الحزبيين من جماعة الاخوان المسلمين لاحتلال منابر المساجد باتت على كف عفريت وغير قابلة للتنفيذ بعد وثيقة 10/10 البرلمانية لانها نبهت نواب المجلس على ان ثمة امتيازات سيحصل عليها نواب الاخوان المسلمين اذا وافقت لهم الحكومة على العودة الى الخطابة من على منابر المساجد.