اذا ما صحت الانباء، وهي صحيحة فيما يبدو، بأن ايران تريد ضمانات بعدم اسقاط النظام الاسلامي فيها، فإننا نكون أمام مفارقة غريبة يمكن الذهاب من خلال مفرداتها الى ما هو ابعد من التشدد الذي ابداه مسؤولون ايرانيون في الايام الماضية عبر التهديد بأن طهران ستمنع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من دخول منشآتها اذا ما تم تحويل الملف النووي الايراني لمجلس الأمن كما تريد واشنطن.
واذ يبرز النموذج الكوري في التعاطي مع الملف النووي وبخاصة في مقاربة اللجنة السداسية المنخرطة في الملف الكوري وهو الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية تقابلها الصين وروسيا وكوريا الشمالية، فان الملف الايراني يبدو اقل قوة ولو في شكل نسبي مما هي عليه بيونغ يانغ التي تظهر تحدياً عمليا وترفع من سقف مطالبها بل وتجد هذه المطالب صدى ايجابيا وقبولا اقرب الى الدعم من قبل بكين التي تحاول تحسين موقعها في المنطقة من خلال هذا الملف وبخاصة بعد تسرب انباء عن برنامج نووي كوري جنوبي، قلل من شأنه الأمين العام للوكالة الدولية محمد البرادعي ما دفع بكوريا الشمالية الى مهاجمته واتهامه بعدم المسؤولية وانتهاج سياسة الكيل بمكيالين..
ايران في وضع دبلوماسي اقل قوة وان كانت قنوات اتصالها مع الدول الاوروبية الثلاث التي دخلت في وساطة نشطة منذ سنوات قليلة تبدو الآن محكومة بضغوط لا تخفى برلين، باريس ولندن رغبتها بممارستها بهدف دفع طهران الى القبول بالمقاربات التي تطرحها وبخاصة في شأن اقناع ايران بوقف عمليات تخصيب اليورانيوم التي تشكل الآن ربما ورقة المساومة الوحيدة في يد طهران بعد ان وقعت البروتوكول الاضافي الذي يسمح لمفتشي الوكالة الدولية بدخول المنشآت الايرانية في اي وقت.
مسألة تقديم ضمانات بعدم اسقاط النظام بالنسبة للدول الاوروبية المنخرطة في عملية الوساطة بين طهران وواشنطن لا تبدو مشكلة لأن لا جهد واضحا تقوم به هذه الدول ضد النظام الايراني بل وهي تعاملت معه في ذروة تدهور العلاقات بين ايران والولايات المتحدة ورفضت مقاطعة ايران بل ان جاك سترو وزير الخارجية البريطاني الحليف الاقرب والاول في اوروبا زار طهران اكثر من مرة ناهيك عن زيارات عديدة قام بها وزراء اوروبيون للعاصمة الايرانية في اطار سياسة الدبلوماسية الانتقادية التي اعتمدها الاتحاد الاوروبي.
هل تقبل واشنطن هذا الشرط الايراني؟
يصعب التكهن بذلك في ضوء رفضها تقديم مثل هذه الضمانات لبيونغ يانغ رغم ان الاخيرة ووفق تقارير محايدة تتوفر على قنبلة ذرية جاهزة الامر الذي يفسر سياسة النفس الطويل التي تنتهجها في مباحثات اللجنة السداسية والتي لا تتوقف كوريا الشمالية عن التهديد بالانسحاب منها وتطالب بتقديم مساعدات اقتصادية وغذائية لها وتبادر سيؤول الى تقديمها في سعي لعدم ايصال الأمور الى نقطة اللاعودة، اما في الملف الايراني فان واشنطن التي غدت «جارا» لطهران فهي رغم انهماكها في انتخابات الرئاسة الا انها غير مستعدة لتقديم مثل هذه الضمانات لأن اسرائيل ترفضها اصلا ولان ضربة اسرائيلية او اميركية او مشتركة للمنشآت النووية الايرانية تبدو محتملة بعد ان راجت شائعات بان طهران توشك وفي خلال ستة اشهر على انتاج قنبلة نووية.
صحيح ان احتلال العراق قد وضع ايران امام خيارات محدودة بدا الخيار النووي اكثرها أمنا وردعا الا ان الضغوط المكثفة التي تمارسها واشنطن باحالة الملف الى مجلس الأمن بكل ما يحمله من عقوبات وربما تفويض بالحرب (السيناريو العراقي) كذلك سياسة العصا والجزرة التي تتبعها الدول الاوروبية الثلاث اضافة الى التردد الروسي في استمرار التعاون النووي بعد ان اعلنت موسكو على لسان رئيسها بوتين ان على ايران ان تفتح منشآتها النووية للمفتشين بدون اي شروط كل ذلك قد يدفع ايران الى التراجع والتسليم بالامر الواقع حتى لو يتم تقديم ضمانات التي نحسب انها لن تقدم.