حالة خارجة عن تقاليد العمل الوطني
12:00 16-10-2004
آخر تعديل :
السبت
حالة خارجة عن تقاليد العمل الوطني
لا احد يجب ان ينتظر خيرا من هذا الضجيج الذي يثار على الساحة الاردنية من هجوم تتعرض له سياسات الحكومة في المحافظة على استقرار البلد وأمن اهله، وخاصة حين يتعلق الامر بحرية تطالب بها جماعة الاخوان المسلمين وذراعهم السياسي جبهة العمل الاسلامي في التصرف بما لا يتفق والقوانين المرعية.
وقد صار معروفا الان ان تلك هي قوانين الوعظ والارشاد والجمعيات وقانون والاجتماعات والتعرض لقانون الجنسية ومطالبة الحكومة بتجاوزه لصالح مطالب لا تتفق وشروط الامن السياسي والاجتماعي لهذه البلاد المستهدفة من قبل اعدائها.
كما ان المطروح، سواء بفعل خطأ في التقدير او عن نية مسبقة، صار واضحا ايضا، فالمطلوب هو استخدام مساحات الحرية الواسعة المتوفرة لاكتساب زخم يفتح حدود هذه المساحات على الفوضى، لقد نشأت المشكلة عن قرار بعدم الالتزام بقانون الوعظ والارشاد الذي يمنعهم، دون ترخيص مسبق، من اعتلاء المنابر للدعوة لسياساتهم.
يقولون بانهم مؤهلون لتعليم المسلمين دينهم. هم كذلك. لكن ما الذي يجعلهم متميزين عن الوعاظ الذين تعينهم وزارة الاوقاف، سوى انهم مسيسون؟ وان اغراضهم حزبية؟ ولو اقتصرت تلك الاغراض على تعليم الناس دينهم، لكانوا، بصفتهم الشخصية، كأفراد غيورين على تعليم الدين، قد طلبوا من وزارة الاوقاف تعيينهم وعاظا في المساجد. لكنهم لم يفعلوا وتجاهلوا القانون، تحديا، وصعدوا للمنابر لمهاجمة الدولة بقصد الكسب السياسي الحزبي. وهنا كانت المخالفة.
وقد قامت الدولة، من جانبها، عبر اجراءات أمنية معروفة، بالزامهم بالقانون، فكان الهجوم، لا يعلم احد فيما اذا كانوا قد وضعوا خطة لذلك، ولكن التدقيق يشير الى انهم لجأوا الى عملية تجزيء الهدف. فبدلا من انتقاد سياسات الحكومة، وهو عمل مسموح به في الممارسات الديمقراطية، فقد تركز الهجوم على وزير الداخلية، لا بصفته الرسمية كوزير مكلف بتنفيذ القوانين، وممثلا للحكومة في مجال عمله، بل، بالدرجة الاولى، بصفته الشخصية وباسمه مجردا، كما لو كان الامر محصورا بينهم، كمؤسسة، وبينه، باعتباره سمير الحباشنة.
من المؤكد انه ليست لديهم ثارات عند المهندس سمير حباشنة، ولكن المطلوب كما هو واضح، هو الحاق الهزيمة به كهدف من اجل اخافة كل من يتعرض لهم لاحقا، ولاكتساب شرعية مضافة. فالدولة في نهاية الامر اشخاص، حسب تقدير المهاجمين، ولقدرة هؤلاء على المقاومة، حدود، وخاصة حين يتم عزلهم عن المصلحة العامة التي عينوا في مراكزهم لتعزيزها.
هذا بالاضافة الى ان تحويل المواجهة الى هذا المستوى هو نوع من خلق التفاصيل وتضخيمها لتحل محل المشكلة الام التي نشأت منها هذه التفاصيل، لاخفاء الهدف الكبير الذي خلقت لتحقيقه.
قد لا يكون الاخوان المسلمون او جبهة العمل الاسلامي قد خططوا لكل هذا، او انهم خططوا اصلا، وانما حدث كل ذلك نتيجة رد فعل خاطىء، او نتيجة فكرة قيلت وتم تبنيها دون تمحيص. لم يكن لدى المتابعين للموضوع انطباع مؤكد بانه كان هناك اجماع فيما بينهم على ما يقومون به. فقد سمعنا في ندوات ولقاءات خاصة بان هناك خلافا حول الامر بينهم. وان الهجوم على الحكومة او التعرض لثوابتها وخاصة ما يتعلق منها برموز الدولة ووحدة جبهتها الداخلية كان عملا فرديا قام به البعض وليس الكل. انها حالة شاذة خارجة عن تقاليد العمل الوطني. لذلك لا بد من الحسم فيها نهائيا، ومن قبلهم، من اجل العودة الى مكانهم المعتاد كقوة سياسية تعمل ضمن الدستوروالقوانين التي تنظم حرياتهم وحريات غيرهم، ومن اجل تصحيح ما قيل من قبلهم، وخاصة فيما جاء في بياناتهم المنشورة.
وما قيل فيها يحتاج الى اعادة نظر، لقد كانوا جزءا من الجسم السياسي للبلاد، وقاموا بواجبهم الى جانب كل المواطنين الاخرين بالدفاع عنها، كل ضمن مسؤولياته وموقعه، لم يكن ذلك منة منهم على الوطن، وليس لهم حق في المطالبة بدفع ثمن القيام بهذا الواجب، الا اذا اعتبروا انفسهم كيانا موازيا للدولة. فهل هم كذلك؟
نتمنى الا يعتبروا انفسهم كذلك. فكل ما يريده الاردنيون اليوم هو التمسك بالقواعد الثابتة والمعروفة التي تواضعوا عليها من قبل، والتي يمكن التنبؤ بنتائج تفاعلاتها واعتمادها، والاعتماد عليها للحفاظ على امن بلادنا واستقرارها وتعزيز هذا الامن والاستقرار فهي الواحة الامنة والمنطلق الحقيقي لاي عمل جاد في منطقة تائهة لا تكاد تحتفظ برأسها في الدوار الذي يأخذ بها ويكاد يفقدها اتجاهها.