موائد رمضانية من نوع آخر
12:00 15-10-2004
آخر تعديل :
الجمعة
موائد رمضانية من نوع آخر
يقتحمني شهر رمضان بالاسئلة من اطفأ فوانيس اطفال غزة وجنين وجباليا وبيت حانون هذا العام؟
لماذا انطفأت شموع الفرحة بشهر رمضان من شوارع وازقة بغداد والرمادي والفلوجة وسامراء والموصل وبابل؟
لماذا لم يكتمل افراد العائلات على موائد الافطار في البلدين فهل غابوا الى الابد مع من غاب من جراء قصف ارعن وحرب هوجاء شنت على الاطفال والانسان؟
لماذا اختفت نداءات الباعة من الاسواق الشعبية في البيرة والشيخ رضوان ودير البلح وسوق مسروجة والكرادة والبياع فلم يروّج حتى الان للقطايف ولا لقمر الدين ولا لشراب السوس والخروب والتمر البرحي والقيمر.
العالم الاسلامي يعيش هذه الايام لحظات امتلاء البطون بما لذ وطاب بينما تمتلىء اجساد الفلسطينيين والعراقيين بالجراح والآلام والعذاب.
بساط رمضان وعلى مد العالم الاسلامي الكبير بألوفه وملايينه يزخر بالسهر والسمر والانس، بينما على خارطة فلسطين والعراق لا مأوى ولا امان حتى للرضع فالكل مستباح لطائرات الهيلوكبتر والاباتشي والمدرعة والدبابة والجرافة.
مسلمو العالم تمتد اصابعهم لحبة تمر جادت بها نخلة عراقية لتكون خير بداية لصوم يوم مبارك بينما الطفل العراقي والصائم العراقي محرّم عليه ان ينعم بشق تمرة، شراب الخروب المثلج يدور في الكؤوس وحواكير فلسطين يملأها ثمر الخروب الناضج ولا تجرؤ يد ان تمتد لتقطف منها ثمرة واحدة.. فالحواجز تقف حائلا بين الفلسطيني وبين الوصول الى حديقته والتي سلمت بمعجزة من آلة التخريب الصهيونية.
الناس هنا وهناك يقضون السهرة بين المسلسل كذا والمسلسل كذا بينما مسلسل الذبح والهدم يمر على الجميع كاي منظر عادي لا يعيره احد انتباها.
موائد الخير تمتد في كل مكان من ارجاء الوطن الاسلامي.. ربما على مقربة من المسجد ا لحسيني في عمان، او مسجد بني امية في دمشق او مسجد الزيتون في تونس او الجامع الازهر في القاهرة او.. او.. ووحده المسجد الاقصى يفتقد موائد الخير لان موائده المنصوبة موائد من نوع آخر لا شبيه لها الا موائد بغداد والفلوجة والرمادي والموصل وسامراء.
اوراق العدل في هذا العالم تساقطت حين ساوت المعايير والقيم بين الضحية والجلاد، بل على العكس نزهوا الجلاد والصقوا الارهاب بالضحية.
موائد المتخمين في شهر رمضان تمتلىء بما لذ وطاب بينما البطون الخاوية لمليون وثلاثماية الف فلسطيني لا ترج احدا سوى الله.
شهر رمضان شهر الخير والبركة الكل ينتظر موسمه من العام للعام بينما اخوتنا واهلنا خلف النهر وحتى حدود رفح سُدت امامهم المنافذ وانتصبت في طرقهم الموانع والحواجز والدبابات التي تتجول في الازقة والطرقات.
المحلات التجارية في رام الله ونابلس وغزة وبغداد والبصرة تبدو خاوية على عروشها خواء جيوب الاباء والامهات والاطفال، التمر وحده يتصدر الموائد العراقية والزيت والزعتر وحده يتصدر الموائد الفلسطينية.
ان من حق هؤلاء والذين يدافعون عن كرامة الامة ان نفكر بمأساتهم مع بسملة لقمة الافطار، من واجبهم علينا ان نعمل عملا يوصل الفرحة الى قلوبهم والاطمئنان الى نفوسهم، هذه القلوب التي فقدت مهجتها مع سقوط فلذات الاكباد وهم في طريقهم الى مدارسهم.. او اثناء احتفالهم بعرس قريب.. او جنازة صديق.
المسلم خلقه الله سبحانه وتعالى كالجسد الواحد.. عجبي لهذا الجسد كيف ينعم بخيرات رمضان بينما السهام تنهال دون رحمة او شفقة على الاجساد الطرية المتهاوية امام الضمير العالمي دون ان تحرك فيه ساكنا.
اطفال فلسطين واطفال العراق من الوعي بحيث يعرفون ان اميركا التي تعتدي عليهم كل يوم هي نفسها اميركا التي اعتدت ذات يوم على شعب اليابان وابادت منه الملايين لمجرد تجريب سلاحها المدمر والمتمثل بقنبلة هيروشيما الملعونة.
هم لا ينسون ابدا اطفال فيتنام الذين حصدتهم الآلة الاميركية في الستينيات كما تحصدهم الان.
اطفال فلسطين واطفال العراق.. يحبون رمضان وطعام رمضان وسهرات رمضان ولكنهم يحبون موطنهم وارضهم اكثر، هم ينتظرون العيد ولكنه عيد من نوع اخر، عيد قال فيه الرسول الكريم عندما شاهد شهداء احد «انا شهيد على هؤلاء انه ما من جريح يجرح في الله، الا والله يبعثه يوم القيامة يدمي جرحه، اللون لون الدم، والريح ريح المسك». صدقت يا رسول الله.