افتراضات غير علمية
12:00 14-10-2004
آخر تعديل :
الخميس
افتراضات غير علمية
هل تخضع التغيرات المتتابعة التي تطرأ على هذا المجتمع او ذاك لنظام محدد يمكن توسمه على اختلاف زوايا النظر التي نتابعه منها؟
وهل يمكن تفسير هذا النظام تفسيراً عقلياً في عدد كبير من الوقائع، على نحو نملك معه ان نأمل رؤيته في سائر الوقائع والحالات؟
ذلك ما كان يؤرق فيلسوف الوضعية اوجست كونت، وما نحسب انه لم يجد الجواب الشافي عليه، لسبب رئيس هو تأبّي الظاهرة الانسانية على الامبريقية وارتهانها بارادة الانسان نفسه، وبمكونات هذه الارادة المستكنة في اعماق بنيته الشعورية.
الا ان هذه الحيرة لم تمنع كونت من افتراض قانون يخضع له النمو العام للذكاء الانساني. وذلكم هو قانون الحالات الثلاث التي تمر بها تباعاً بحسب قوله كل فكرة من افكارنا الرئيسة وكل فرع من فروع معرفتنا: وهي الحالة اللاهوتية او الخرافية، والحالة الميتافيزيقية او المجردة، والحالة العلمية او الوضعية.
يقول كونت انه، في الحالة اللاهوتية، يوجه العقل الانساني بحوثه بصفة جوهرية نحو الطبيعة العميقة للكائنات والعلل الاولى والغائبة لجميع النتائج التي تفجأ نظره، فيتمثل الظواهر كما لو كانت نتيجة لتأثير مباشر ومستمر لعوامل خارقة للطبيعة. اما في الحالة الميتافيزيقية، فإن العوامل الخارقة للعادة يستعاض عنها بقوى مجردة لا تنفك عن مختلف كائنات العالم. ويتصور المرء انها قادرة من تلقاء نفسها على انتاج جميع الظواهر التي تقع تحت الملاحظة.
واخيرا في الحالة الوضعية يعترف العقل الانساني باستحالة الوصول الى معان مطلقة، ولذا فإنه يقلع عن البحث عن اصل الكون ومصيره وعن معرفة العلل العميقة للظواهر، لكي يحصر همه في الكشف عن قوانين الظواهر، اي عن علاقات التتابع والتشابه المطردة.
ذلك ما جاء في المجلد الاول من كتاب «دروس في الفلسفة الوضعية» لأوجست كونت. وهو ما تنهض الدلائل، في مطلع كل نهار، على انه مجرد افتراض تمت صياغته بحيث يتواءم مع الوضعية الكونتية، لا حقيقة «علمية» كما يزعم.
فالبحث عن أصل الكون ومصيره، والبحث عن العلل العميقة للظواهر، والبحث عن معتقد يستقر الوعي الانساني عنده ويطمئن اليه. كل ذلك مما يؤرق الانسان المعاصر ويقضّ مضجعه.
كما انّ الحالات الثلاث التي يفترضها لا تخرج عن تقلبات الوعي الفردي في كل جيل من الناس. ناهيك بها تقنيناً اعتنافياً «غير علمي» يعتمد المركزية الاوروبية الغربية التي لا تصلح في اعتقادنا اساساً للتعميم..