مملكة الرب الأميركية

مملكة الرب الأميركية

غلفت الحرب المزعومة على الإرهاب والتي قادتها الولايات المتحدة نفسها بغطاء ديني أصولي يستند في جذوره إلى النصوص التوراتية الدموية مما أعطى أي تحليل لتلك الحرب أهمية خاصة في كثير من المواقع التي بدأ فيها وصول المحافظين الجدد الى موقع القرار في الولايات المتحدة، وأدت إلى ظهور سياقات جديدة تكشف عمق الديني وتداخله مع السياسي لتكشف الأبعاد الحقيقية الكامنة لهذا التوسع الإمبراطوري الإمبريالي الجديد الذي سيجتاح العالم وفق سياق أصولي صهيو مسيحي. فليس غريبا أن تكون المحركات الرئيسة لهذا التوسع،تعود في أصولها الى حركات دينية متطرفة سبق، وأشرنا أليها في اكثر من مقالة تحت عنوان «الأصولية الأميركية أصولية فوق متطرفة»، تلك الأصولية الأعنف في تاريخ الأصوليات والأكثر دموية وتسليحا، والأكثر خدعا لجماهيرها قبل أعدائها المفترضين بل على العكس ترى إن إصلاح الداخل أي «فعل الإبادة» الداخلي يجب أن يكون على وتيرة واحدة مع التوسع الإمبراطوري الخارجي. وقد بدأ جورج بوش استعمال سيف انتقام الرب منذ بداية توليه الإدارة، ولكن معظمنا لم ينتبه لحكاية السيف كما تقول الباحثة «كترينا يوريكا» التي تضيف : أبحت لنفسي أن اقتبس من ليو شتراوس الأب الروحي لحركة المحافظين الجدد والتي تعطينا إشارة إلى كيف تم إخفاء موضوع السيف. (يجب على المرء ألا يقول للذين يريد إن يقتلهم :«أعطوني أصواتكم لأن أصواتكم سوف تمكنني من قتلكم وأنا أريد ان أقتلكم» ولكنه يقول ببساطة :«أعطوني أصواتكم» لأنه حالما يكون لديك السلطة التي تمنحها هذه الأصوات لك، تستطيع عندئذ ان ترضي رغباتك) ويوركا هي كاتبة تحقيقات في صحيفة (المسيحية اليوم) ومؤلفة 3 كتب وتدير موقعا خاصا بها www.yuricareport.com ونشرت دورية العراق دراسة مهمة لتلك الباحثة أخذنا منها عنوان مقالنا هذا «مملكة الرب الأميركية». وتتابع الباحثة: ورغم هذه النصيحة فإن السياسة الخارجية للرئيس كشفت عن ميل إلى قعقعة السلاح. وقد حذر العالم بأن (الأمم اما ان تكون معنا او ضدنا) وخطبه تتضمن عادة إشارات إلى نصوص إنجيلية ويلقيها بيقين الشخص الذي يمثل ظل الرب في أرضه، لأنه لا يتحدى الأمم الشريرة في العالم فقط، ويخصص بالذكر العراق وسوريا وإيران وكوريا الشمالية واصفا إياها بأنها (محور الشر) وإنما رفع سيف العقاب وسيف الثأر من شعبه ذاته: فقراء الأميركان والطبقة المتوسطة الذين استجلبوا لعنات الرب بسبب حياتهم الفوضوية والفاسدة. وقد خاطب الطبقة المتوسطة قائلا :«سوف أعطيكم سماوات صافية وهواء نقيا وماء نظيفا» ثم قطع الوسائل التي تتحكم في توفير الهواء والماء النظيف. والعدد التخميني للوفيات الناجمة عن ذلك هو : 100000. وقال للفقراء والطبقة المتوسطة :«سوف أعطيكم برنامج العلاج الصحي الذي تستحقونه». ثم أعطى صناعة الدواء مبلغ 139 بليون دولار بشكل زيادة أرباح مقتطعة من صندوق الرعاية الطبية بعد ان قطع الإعانة لكبار السن الفقراء من ذلك الصندوق. بعد ذلك رتب لتفكيك برنامج الرعاية الطبية برمته. وقال لشعب أميركا :«سوف ابني مستقبلا لكم ولأولادكم». ثم دفن مستقبلهم بالإعفاء الضريبي للأغنياء والحرب الوقائية ضد العراق واكبر عجز في الميزانية بالتاريخ. تلك الأصولية التي إن أفلتت من عقالها، ولم تتم مقاومتها من الداخل والخارج على حد سواء ستحيل العالم إلى فوضى نرى الكثير من معالمها في العالم ألان، وهي تسند في مقوماتها الأيدلوجية على مزيج من «الدارونية الاجتماعية» و«المكيفلية» و«الشتراوسية» نسبة إلى «ليو شتراوس» الذي يعتبر الأب الروحي للمحافظين الجدد. والتي تبين مدى تغلغل الديني في السياسي في الولايات المتحدة وان المحافظين الجدد دخلوا بقوة مختلف قطاعات الحياة العامة الأميركية وان الإدارة الحالية في البيت الأبيض لا ينفصل فيها الدين عن الدولة وان الرئيس بوش هو ظل الله في الأرض! وتلفت الباحثة الانتباه الى تقرير إخباري نشرته صحيفة «الواشنطن بوست» في كانون أول 2001 ذكر فيه استقالة «بات روبرتسون» الشخصية الأشهر في أميركا وصاحب البرنامج الديني الشهير «نادي 700» من منصبه كرئيس للتحالف وفي الكواليس كان المحافظون المتدينون يتفجرون بالحماسة. كانوا على يقين من إن روبرتسون قد استقال من اجل ان يتولى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مكانه الصحيح رئيسا للكنيسة المسيحية المقدسة الأميركية. كان تصرف روبرتسون رمزيا ولكنه حمل كشفا سريا وجادا للمخلصين. كانت علامة على ان إدارة بوش إدارة يرعاها الرب ويقودها رئيس سيكون أول وصي في سلالة من أولياء العهد الذين ينتظرون عودة المسيح الى الأرض. سيكون الرئيس ألان الرسول الذي من خلاله سينفذ الرب مشيئته في الأمة. وقد تقبل جورج دبليو بوش صولجانه وسيفه بتواضع وبزهو وبإحساس بالمجد. وكما أوضح انتونين سكاليا، القاضي في المحكمة العليا بعد عدة شهور ( إن الإنجيل يعلم والمسيحيين يؤمنون...) بأن الحكومة تستمد سلطتها الأخلاقية من الرب. إن الحكمة هي (رسول الرب) ولها سلطات للانتقام وصب الغضب حتى لو كان بالسيف هذه هي مشيئة الرب التي تذبح العراقيين والفلسطينيين بدم بارد فهل بقي متسع لدينا للحديث غير التأكيد على أن الديني هو الذي يحرك السياسي في الولايات المتحد؟ jmheisen@yahoo.com