الدمية

الدمية

اعتماداً على ما يروى من حكايات الشعوب في الشرق الاقصى، يذهب الشاب الى السوق، ويشتري دمية بلا عينين، يعود بها الى بيته ويضعها فيه، وحين يحدد هدفه في الحياة يرسم لها عينين. ولعل هذه الصورة من اجمل الصور المعبرة عن قيمة الهدف واهميته في حياة الانسان، لأن الانسان بدون هدف كالاعمى يفتقد الرؤية الواضحة للأشياء، التي تعني ان كل شيء في الحياة مرتبط بالعقل وما يصدر عنه من بنى عميقة تحمي السلطة والمجتمع الذي تحكمه من الجهل وممثليه. والهدف هو الغاية التي يسعى الانسان من اجل تحقيقها او الوصول اليها، وهو بنية كبيرة تتفرع الى عدد من البنى الصغيرة، فهناك اهداف بعيدة، واخرى قريبة، وحتى نصل الى الاهداف البعيدة علينا ان نحقق جملة من الاهداف القريبة، ومن خصائص الهدف انه متغير متجدد، تبعاً لتغير المراحل العمرية في حياة الانسان، ولكي نصل الى اهدافنا علينا ان نتغلب على المشكلات التي تعيقنا عن الوصول اليها، سواء كان ذلك على مستوى الشعوب ام الافراد. وقد حدث ان سألت طلابي في الجامعة يوماً عن اهدافهم فتفاجأوا، وقال لي احدهم انه لم يسبق له يوماً في حياته ان سأل نفسه مثل هذا السؤال، اذ قليلاً ما نجد في المكتبة العربية مؤلفات متخصصة ومستقلة تشرح فلسفة الاهداف وتبسطها، وتعلّم الناس كيفية اكتسابها، وكثير من الشباب لا يعرفون ان الوصول الى الهدف هو مهارة يمكن اكتسابها، وذلك لأنهم لم ينشأوا على الايمان بالفعل الانساني، القائم على احترام العقل وما يصدر عنه من قيم، وبدلاً من ذلك يعيشون حياتهم بفوضى، ودون تخطيط او احترام للوقت، او اهتمام بتنظيمه، بل نجدهم يتفنّون في اضاعته، واذا مروا بمشكلة انكفأوا على ذواتهم، وغرقوا في احلام اليقظة، ومارسوا فن الانتظار وتركوا مشكلاتهم للصدفة، وما يمكن ان تأتي به الاقدار اولاً من مواجهتها، وتحديد اسبابها ومعالجتها، حتى اذا تقدم بهم العمر افاقوا على كثير من الخيبات والانكسارات. والغريب ان هؤلاء يؤمنون في الوقت نفسه بالثواب والعقاب، ويفوتهم ان الانسان مسؤول امام الله عن شقاء نفسه وسعادتها. ويحدث هذا في عصر العلم، الذي يحرص اهله على تقليل بل الغاء حدوث الصدفة من حياتهم من اجل ان يقتربوا من الفعل الانساني اذ كلما قللنا من حدوث الصدفة في حياتنا، كلما اقتربنا من الفعل الانساني، اي اقتربنا من الوصول الى اهدافنا. ان التنمية البشرية في الاردن، تكتسب اهمية عظمى حين تلتفت للشباب في جميع ارجاء الوطن، وتعمل على مساعدتهم على تشكيل الوعي بأنفسهم، وبأهدافهم الذاتية والعامة، قبل الحديث عن اسباب عزوفهم عن المشاركة في الانشطة العامة، وفي الاحزاب، والا اصبحت كثرة الحديث عن ذلك شكلا من اشكال هدر الوقت! ورغم ان حكاية الدمية المرتبطة بأسطورة قديمة تُروى عن الشاب الذي عليه ان يحدد هدفه في الحياة، ليكتسب وجوده فيها معنى وقيمة، الا انني انبه الفتيات الى ان بمقدورهن ايضاً القيام بذلك، اذ ليس اجمل من ان تكون للفتيات اهداف عظيمة، يغرسنها في اطفالهن، ويروين قصص تحقيقها لأحفادهن! ويروق لي قبل ان انهي ان اسأل: تُرى، كم عدد الدين يسيرون بيننا بلا عينين من افراد ومؤسسات وهم يظنون ان الناس كلهم مثلهم لا يرون؟!