(إنيس حبيبة روحي) لإيزابيل الليندي.. تاريخ تشيلي فـي رواية تكتب

(إنيس حبيبة روحي) لإيزابيل الليندي.. تاريخ تشيلي فـي رواية تكتب

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 11-1-2008
No Image
(إنيس حبيبة روحي) لإيزابيل الليندي.. تاريخ تشيلي فـي رواية تكتب

لنا عبد الرحمن* -  تنضم رواية ''أنييس حبيبة روحي'' الى أعمال الكاتبة اللاتينية ايزابيل اللندي، صاحبة ''بيت الأرواح'' و''صورة عتيقة'' و''ابنة الحظ'' و''الحب والظلال'' و''باولا'' و''الخطة اللانهائية'' وأعمال أخرى أصدرتها خلال عقدين من الزمن. انصرفت اللندي في السنوات الأخيرة لكتابة نسق يختلف عن كتابتها المعتادة، يبتعد عن السرد التاريخي ويتلامس مع الكتابة الموجهة لجمهور الشباب التي تدمج المغامرة مع الخرافة، وعوالم السحر مع الأساطير الغامضة، كما فعلت في ''مدينة البهائم'' و''مملكة التنين'' و''زورو وأنا''، كما كتبت اللندي جزءاً من سيرتها الذاتية في كتابها ''بلدي المخترع''.
لكن في هذه الرواية الصادرة حديثا عن دار المدى من ترجمة صالح علماني، تعود اللندي الى الكتابة التاريخية عبر رواية واقعية تجري أحداثها في ألبيرو حيث ولدت بطلتها، وفي تشيلي حيث نشأت خلال القرن السادس عشر بعد الفتح الإسباني لأميركا الوسطى والجنوبية.
الشخصية الرئيسية في الرواية هي ''أنييس سوريز''، وهي شخصية تاريخية حقيقية كما تقدمها الكاتبة، إنها أرملة الدون ''رودريغو دي كويروغا'' الفاتح والمؤسس لمملكة تشيلي، وقد عاشت في سانتياغو وبلغت قرابة السبعين من عمرها، ورغم أنها لم تكن تعرف يوم ميلادها فإنها ترجح ولادتها في إسبانيا عام 1507. تقول: ''أنا أنييس سواريز من سكان مدينة سانتياغو دي استراميديرا الجديدة في مملكة تشيلي، لست متأكدة بدقة من تاريخ ميلادي، لكنني ولدت علي حد قول أمي بعد الطاعون الرهيب الذي اجتاح إسبانيا عند موت الملك فيليبه الجميل''.
''إنها رواية كتبت بالحدس، كما أن أي تشابه بالأحداث والأشخاص عن فتح تشيلي مجرد صدفة''.. هكذا تقول اللندي في وصف روايتها، وتتابع: ''إن العمل البطولي لأنييس سواريز والمدون من قبل المؤرخين لحقبتها تم تجاهله لأكثر من 400 عام''. لذا تحرص اللندي علي تتبع حياة تلك المرأة ورصدها بخيط يتضافر فيه الخيال والواقع، لكن كما يبدو أن التقيد بذكر أحداث تاريخية معينة قيّد اللندي أكثر مما أطلق لخيالها العنان، وتكاد تكون أفضل صفحات الرواية إبداعا عندما تتذكر أنييس زواجها من ''خوان دي مالاغا'': ''إنه واحد من الرجال الوسيمين الذين ليس بمقدور أي امرأة مقاومتهم، لكن فيما بعد تتمنى لو أن امرأة أخرى حظيت به لأنه من النوع الذي يسبب الكثير من المعاناة''.
في العامين 1540 تسافر بطلة الرواية من إسبانيا الى ألبيرو للبحث عن زوجها الذي سافر الي العالم الجديد للبحث عن الكنز، لكنها تكتشف موته وبالتالي تعود إليها حريتها، لقد مات زوجها في الحرب إلا أنها ترفض العودة الى إسبانيا وتصر على البقاء في مدينة كوسكو في ألبيرو لتلتقي برجل حياتها الذي ستحبه كما لم تحب من قبل، إنه بيدرو الذي سيذكر التاريخ مآثره البطولية في المعارك. ويموت بيدرو يموت ميتة مريعة تاركا خلفه المرأة التي أحبته، لكن ''أنييس'' لم تيأس، بل تدخل في علاقة مع ''رودريغو'' والد ايزابيل التي تسرد على مسامعها الحكاية.
تروي أنييس قصتها لايزابيل ابنة زوجها الثاني، حيث تصف اللندي عمق العلاقة بين المرأتين قائلة: ''صديقتي الحميمة المؤتمنة على أسراري، الشخص الوحيد الذي يعرف خباياي... أريد منك أن تتحلي ببعض الصبر يا ايزابيل، ستلاحظين قريبا أن هذا الاضطراب في السرد سيصل الى لحظة يتقاطع فيها طريقي مع بيدرو دي فالديفيا، حينها تبدأ الحكاية التي أريد أن أقصها عليك، قبل لقائي به كنت أعمل حائكة في بلاسينثيا مثل مئات ومئات النساء الشقيات اللواتي أتين الى هنا من قبلي ومن بعدي، لكن مع بيدرو عشت حياة مختلفة وبنيت معه مملكة، صحيح أنني أغرمت برودريغو دي كوريغوا والدك وعشت معه ثلاثين عاما، والسبب الوحيد لإبلاغك هذه القصة هو حكاية فتح تشيــــــلي التي تقاسمتها مع بيدرو''.
لكن هذه الرواية تحمل وجهتي نظر متناقضتين، فبينما تبدو بطولية من وجهة النظر الإسبانية، فإنها لا تعني شيئا للناس البسطاء الذين ذُبحوا واعتُقلوا أو أُخضعوا لسلطة شارلز الأول ملك إسبانيا.
لا تحاول اللندي أن تموه على هذه الحقيقة التاريخية، ولا على جرائم الفاتحين مثل فرانسيسكو بيزارو، وفرناندو كورتيز. تقول: ''بيزارو رجل في حوالي الستين من عمره، متعجرف، بجلد شاحب، ولحية رمادية، عينيه غائرتين يلمع فيهما بريق طموح، أما نبرة صوته فإنها عالية وغير مقبولة''.
تخوض الكاتبة في وصف ملحمي للمعارك وللحروب التي يخوضها الأبطال. هذا الوصف الذي يرتبط بزمن يعود الى القرن السادس عشر يوضح قدرة اللندي على التخيل وعلي تتبع الحدث التاريخي في الحصول علي وثائق تعزز فكرتها وتمنح خيالها الخصب شحنات قوية تمكنه من السرد، تقول: ''لم نكن قد أكملنا تنظيم صفوفنا عندما سمعنا صراخاً لا يحتمل، يعلن عن هجوم الهنود. صرخات تبعث القشعريرة في البدن، تثير فيهم حماسة جنونية وتصيب أعداءهم بالشلل، كانوا آلافا مؤلفة، يركضون شبه عراة، بأقواس وسهام، وفؤوس وهراوات، يصرخون متهللين بقسوة مسبقة، أجهزت طلقات البنادق على الصفوف الأولى، لكنها لم تستطع وقفهم أو التخفيف من اندفاعهم. كانت رماح رجالنا تخترق الأجساد التي لها لون الطين والسيوف تقطع الرؤوس والأطراف، وحوافر الخيل تمزق المطروحين أرضا''.
هذا الوصف الملحمي نجده في أعمال أخرى لـ''اللندي''، خصوصاً الروايات التي ابتعدت فيها عن الذاتية والواقعية، أي الروايات التي كانت أقرب للخيال مثل ''مدينة البهائم'' و''مملكة التنين'' و''زورو وأنا''.
يكاد هذا النسق من الروايات يكون متلامسا مع نوعية سلسلة كتب ''هاري بوتر'' من حيث الولوج الى عوالم عجائبية تقوم لحمتها الأساسية علي فكرتَي ''الخارق والماورائي''. لا يعني هذا أن اللندي عمدت الى محاكاة هذا النوع من الكتابة بقدر ما سعت الى الانفتاح على عوالم جديدة في كتابتها، لكن يمكن القول أيضا إن رواية ''أنييس حبيبة روحي'' تشكل بحد ذاتها نسقا جديدا مغايرا لا ينتمي لكتبها السابقة. إنه نسق تاريخي ملحمي، لا تاريخي ذاتي ينتمي للواقع القريب، ولا ينتمي أيضا للنسق العجائبي الذي ظهر في أعمالها الأخيرة، اذ تكاد اللندي تنفصل في هذا النص عن ذاتها وتبتعد تماما عن رصد العوالم التي كانت شغوفة برصدها: عوالم أسرتها وبطلات رواياتها الباسلات، وهي لا تنكر ذلك، بل تقول في أحد حواراتها: ''وجدت أن أبطالي ينتقلون معي من رواية الى أخرى''. إن خبرة اللندي الطويلة ومرانها في عوالم الكتابة دفعها للبحث عن آفاق وعوالم جديدة لترصدها وتحكي عنها، لذلك جاءت هذه التجربة التي تشكل توليفة من التاريخ والخيال والواقع في سرد ملحمي حرصت الكاتبة أن يكون ممتعا كسائر رواياتها مستندة في ذلك إل براعتها في التشويق واستخدام خاصية ''الحكي'' التي تتميز بها كآلية فعالة في السرد.
يحفل هذا النص أيضا بالشخصيات الأنثوية كسائر روايات اللندي، حيث النساء لسنَ خارقات الجمال، بل ذكيات وجريئات، هناك أميرة الأنكا التي تتزوج من أحد النبلاء، وسيسيليا وصيفة أنييس، وهناك أيضا البطلة الرئيسية ''أنييس'' التي تخوض غمار البحار عبر سفينة تسعي وراء زوجها الذي رحل لاكتشاف العالم الجديد وتقوم بإظهار مهاراتها في الطهو على ظهر السفينة ثم في اكتشاف الماء في قلب الصحارى وبذلك تنقذ الجنود من موت محتم، كما تقوم بإيواء المشردين وعلاج الجرحى وإزالة الأنقاض وإطفاء الحرائق، فالبطلة تمتلك الثيمات النفسية نفسها لكل بطلات اللندي، أي الشجاعة والقدرة علي مواجهة مصاعب الحياة، كل ذلك في حبكة تنسج تاريخ تشيلي وألبيرو مع قصص حب ومغامرات البحث عن الذهب في مدينة ''الدورادو''، هذا البحث الذي ظهر قبلا في روايتها ''ابنة الحظ'' مع بطلتها ''ألزا سوميرث''. لكن بطلتها ''أنييس'' تبدو أكثر جرأة. إنها المرأة التي تشارك في فتح تشيلي، وتكون شاهدة على المعارك والحروب والدماء المراقة بهدف النصر، مما يدفعنا للتساؤل: لماذا أرادت اللندي أن تكون بطلة روايتها امرأة، وأن لا يأتي السرد عبر لسان رجل؟.
إن السرد التفصيلي والدقيق للأحداث العادية والمحورية، بالإضافة إلى سرد تفاصيل الحروب وغيرها من التفاصيل المعاشة والممارسة يوميا ربما يبرره أن يكون واردا عبر لسان امرأة، هناك ثيمات في السرد لا تفارق أسلوب اللندي في الكتابة وفي المواصفات النفسية للأبطال، هذه الثيمات كان من الصعب ذكرها لو جاء القص عبر راوٍ غائب او عبر لسان رجل. فالنساء القويات المحبات الباسلات والرجال الوسيمون الشجعان يحضرون في كل رواياتها، هناك صفات نفسية تستمتع اللندي في إسباغها على أبطالها وتعزيزها لديهم بمواقف تؤكد هذه الصفات المميزة، لذا اعتمدت اللندي في روايتها على ''أنييس'' كراوية لكل الأحداث من دون استخدام أي طرق أخرى في السرد كانت استخدمتها في رواياتها السابقة.


(خدمة وكالة الصحافة العربية) 
* كاتبة لبنانية مقيمة في القاهرة

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }