بين الذكاء الفردي والجمعي
12:00 12-10-2004
آخر تعديل :
الثلاثاء
بين الذكاء الفردي والجمعي
لا شك ان الاعتزاز بالنفس بعيداً عن جلد الذات لهو من العناصر الضرورية اللازمة لبناء الشخصية الانسانية لتكون واثقة معتمدة على نفسها في انطلاقها والمضي قدماً على درب التطوروالتقدم..
ولعل ما يلفت النظر هو التجلي في الاعتزاز بالذات عند البعض وتجاوزهم لحدوده المعقولة والفاصلة بين الحقيقة والوهم فلا يرون سوى ذواتهم المضخمة التي تطغى على اية صورة اخرى، وقد يحدث العكس عند البعض الآخر حيث يتدنى احترام الذات لديهم فيكثرون من جلدها... فكلا الطرفين مخطئ في اعطاء ذاته حقها ويحتاج الى تأهيل لاعادة النظر في تقييم انفسهم... اما لماذا التركيز على تقييم الذات وانجازاتها لاننا نحتاج فعلاً الى وقفات متعددة في رحلة حياتنا لتسليط الضوء على الثغرات عبر نظرة عقلانية تجعلنا نتفادى الاخطاء لئلاً يصبح انتاجنا الفردي والجمعي سلسلة من مشاكل ابدية متراكمة تبقى معلقة بدون حلول ومن هنا تأتي اهمية التقييم للذات الفردية والجمعية ولانتاجها وانجازاتها عبر نظرة موضوعية تبصر الثغرات والانجازات على حد سواء ولهذا فإن تضخيم الذات وتصغيرها اكثر من اللازم هو امر مرفوض لانه يعكس صورة وهمية بعيدة عن الواقع.
فظاهرة الاعتزاز الزائدة عباراتها والتأكيد على اننا اكثر الشعوب ثقافة وعلما متكئين في استنتاجاتنا على بديهية هشة بعيدة عن الارقام والاحصائيات والانجازات الصناعية و المعرفية من ابحاث وابداعات واكتشافات فضائية وبحرية وبرية... الخ لهو امر يجد فحصه ومعالجته معالجة جذرية والا سيتهددنا جنون العظمة الذي يجعل البعض منا معلقاً بحبل الوهم فلا سماء عالية يصلون اليها ولا ارضاً صلبة متماسكة يقفون عليها... فالبديهية التي ترتكز عليها الغالبية بمن فيهم بعض المثقفين والمطلعين بأن الفرد عندنا يعرف عن بلدان العالم الآخر شرقها وغربها في حين ان الفرد الاميركي والاوروبي الصيني والياباني... الخ لا يعرفون عن العالم العربي شيئاً، مؤكدين من جانبنا انه عندما يسافر الواحد منا الى الخارج يتفاجأ بانهم لا يعرفون حتى موقع وطننا الذي ننتمي اليه وحتماً نشعر بالاستياء فننعتهم بالجهل وعدم الاطلاع ونعتمد على هذا الاكتشاف الضيق لنعود مظفرين منتصرين مكللين باوراق الغار وكيف لا وقد تكشفت لقاءاتنا السطحية معهم عن جهلهم وعدم اطلاعهم وبالتالي يصور لنا غرورنا بأننا فقط اصحاب العقول المتميزة ومن اجل ذلك يعمل الغرب جاهداً للاستيلاء على حصيلتنا من العقول.
واما الحقيقة الدافعة وراء سعي الغرب الاميركي والاوروبي الى استقطاب عقول البلدان النامية بما فيها العربية فهو يعود الى تخطيطه المستمر لتمكين بنيته التحتية المعرفية من العقول البشرية المحلية والمستوردة عبر زيادة الذكاء الجمعي من اجل قياس الاداء الكلي ومن البديهي كلما ازدادت نسبة الذكاء والخبرات كلما ازداد الانتاج وخاصة في تكنولوجيا المعلومات التي تزيد ولا تنضب... فالذكاء الفردي الموجود عندنا هنا وهناك هو ذكاء في غاية التميز ولكنه بمثابة ذكاء مبعثر لا قيمة له نسبة الى الذكاء الجمعي المتراكم عندهم بالجملة والموجه في نفس الوقت للعمل والانتاج والبحث والابداع والاختراع ، واما نحن فنملك الذكاء الفردي المفرق الذي لا حول له ولا قوة ولا وزن له او ثقل ما دمنا لا نرصده ولا نجمعه ولا نحشده ولا نفعله بل نطفشه قصداً او جهلاً حتى يظل هائماً على وجهه فيلتقطه راصد ما من مكان ما فتهاجر عقولنا اليهم وهكذا يتناقص نصيبنا من الذكاء في حين تزداد حصتهم منه ومن اجل ذلك يتقدمون علينا فيطلق عليهم اسم الشعوب المتقدمة في حين نحظى بتسمية الشعوب النامية او بالاحرى المتخلفة وهذه التسمية فعلا لم تأت من فراغ...