المجتمع المدني في الوطن العربي
12:00 10-10-2004
آخر تعديل :
الأحد
المجتمع المدني في الوطن العربي
ان موقف بعض النظم الحاكمة في الوطن العربي ازاء مؤسسات المجتمع المدني يتسم اما بالتردد واما بعدم الثقة، فهي وان كانت تسمح قانوناً بالجمعيات، والتنظيمات المدنية - ربما اعترافاً منها بقيمة احياء هذه المؤسسات - ولكنها في الوقت نفسه، تضع من القيود القانونية والادارية ما يجعل لها اليد الطولى في مراقبة هذه الجمعيات، والمؤسسات او حلها، او تحديد مجال حريتها. فالمجتمع المدني العربي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالدولة فيما يتعلق بنشأته وتطوره، وهو الى حد كبير ، من صنع الدولة ، كذلك فإن السلطات الحاكمة تصر على حصر حركة المجتمع المدني في مجال التخفيف من اعباء الدولة في ميادين التنمية والرعاية الاجتماعية والمساعدات الانسانية، اما عندما يتحول المجتمع المدني الى قوة حقوقية كإحدى قنوات تأطير المبادرات الشعبية، وتنمية الوعي بالحقوق ، فإن السلطات الحاكمة في غالبية النظم العربية تعتبر المجتمع المدني في هذه الحالة ، بمثابة جماعة ضغط تهدد الاستقرار الاجتماعي، والسياسي.
واضافة الى ذلك، قيام بعض النظم الحاكمة في الوطن العربي، بتكريس بعض جوانب المجتمع التقليدي، لا سيما تلك المتعلقة بالانتماءات العائلية، والقبلية والعشائرية وبعض الاعتبارات الدينية، كونها تقع ضمن مصدر شرعيتها، مما ادى الى عرقلة تطور المجتمع المدني، وقد تم ذلك خلال سعي هذه النظم لتحقيق الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع عبر القضاء على المعارضة وتنظيماتها، واخضاع المؤسسات الاجتماعية لخدمة الدولة، والقضاء على استقلاليتها، مما ساهم في القضاء على الاسس المادية لمؤسسات المجتمع المدني.
ان جوهر مشكلة المجتمع المدني العربي، يتركز في انتشار سلطة الدولة في كل مجالات الحياة المجتمعية ، مما يجعل من هذه السلطة اداة مراقبة مستمرة ، وعائقاً امام امكانية تحرر الافراد، واستقلال المؤسسات الاجتماعية، حيث فقدت مؤسسات المجتمع المدني العربية فاعليتها وكفاءتها، وتحولت الى ادوات جاهزة تستخدمها الانظمة العربية للسيطرة على المواطنين، وصارت بمثابة وسائل لتضييق الخناق على المجتمع.
كذلك فإن العديد من مؤسسات المجتمع المدني في الوطن العربي، مثل الاحزاب والنقابات والجمعيات وغيرها تفتقر الى الديمقراطية بداخلها ، وتعاني الضمور في عضويتها، فأغلبها بلا قواعد شعبية، عدا عن الانقسامات والانشقاقات والصراعات التي تحدث داخل هذه المؤسسات ، والتي تحد من فاعليتها في الحياة السياسية ، وتقلص من مصداقيتها لدى الجماهير.
ومن هنا ، تبرز الحاجة الى ممارسة الديمقراطية داخل هذه التنظيمات ، وفيما بينها، من اجل ضمان نموها وبلوغها الحجم الذي يسمح لها بالفاعلية، ويجنبها مخاطر الانشقاقات والجمود، ويجعلها معبرة عن المصالح التي تمثلها.
ان صعوبة الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها الاقطار العربية، اضافة الى ازدياد تسلط الدولة، وتغولها على المجتمع تقتضي اعادة دمج المواطن في حلبة الشأن العام، والقضايا المصيرية، بل وخلق الحاجة الماسة لدى الناس الى الانخراط في مؤسسات مدنية سواء اكانت تقليدية ام حديثة، لتنظيم مشاركتهم في صناعة السياسات العامة، والارتقاء بالاوضاع الثقافية والاجتماعية مما يسهم بصورة غير مباشرة في ترسيخ وتمتين الانتقال الحقيقي من السلطوية الى الديمقراطية.
ولهذا فإن التحول الديمقراطي الجاري في دول العالم العربي في المرحلة الحالية، سيبقى متصفاً بالغموض والضبابية مما يعيق خلق نظم تنافسية ديمقراطية ، ما لم تأخذ مؤسسات المجتمع المدني دورها الحقيقي في تنمية المشاركة السياسية للمواطنين في هذه الدول.