كانت اخر دولة تقوم على التمييز العنصري لابناء شعبها هي جنوب افريقيا، حيث كان التمييز بين البيض من المستعمرين الحكام وبين السود اصحاب البلاد الشرعيين قائما بموجب نصوص القانون.
وكان السود ممنوعين من السكن في اماكن مخصصة للبيض وكذلك من الدراسة في مدارسهم ومن دخول مستشفياتهم ومطاعمهم وجامعاتهم، وغير ذلك من مرافق الحياة، كما كانوا ممنوعين من حق الانتخاب والمشاركة في المجالس المنتخبة والوظائف العليا وحتى من ركوب الباصات ووسائل النقل المخصصة للبيض.
وباختصار كان مجتمع جنوب افريقيا قائما على نوعين من المواطنين البيض الحكام ولهم كل الحقوق والامتيازات والسود سكان البلاد الاصليين الذين حرموا من كل الحقوق والامتيازات الخاصة بالبيض وحقوقهم تقتصر على خدمة البيض والقيام بالاعمال التي يتركونها لهم.
ورغم النضال الطويل الذي خاضه شعب جنوب افريقيا، فقد قمع الشعب الافريقي هناك بالحديد والنار على نحو ما تفعل اسرائيل في فلسطين واميركا في العراق في هذه الايام.
واستمر الوضع على هذا الحال ردحا من الزمن زاد عن ماية وخمسين عاما، الى ان جاء نلسون مانديلا وصحبه وقادوا النضال حتى حصلوا على حقوقهم واستلموا مقدرات بلادهم في التسعينات من القرن الماضي.
وهكذا سقط الحكم العنصري في جنوب افريقيا واصبح نلسون مانديلا اول رئيس اسود لتلك البلاد.
والان ونحن على ابواب القرن الحادي والعشرين/ نجد ان اسرائيل تطبق سياسة التمييز العنصري على العرب السكان الاصليين في فلسطين سواء ما كان منها محتلا في سنة 1948 وما احتل فيما بعد سنة 1967.
وقد صدر في 31/7/2003 قانون جديد عن البرلمان الاسرائيلي يمنع العرب الذين يحملون الجنسية الاسرائيلية «عرب 48» من توحيد عائلاتهم اذا كانت زوجاتهم من فلسطينيي الاراضي المحتلة سنة 1967، ويتضمن تمييزا صريحا ضد فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة، كما ينطوي على تمييز ضمني ضد المواطنين الفلسطينيين في اسرائيل والذين يشكلون 20% من سكانها وكذلك ضد الفلسطينيين المقيمين في القدس.
وتعرف المادة الاولى من القانون سكان المنطقة بانهم سكان الضفة الغربية وقطاع غزة مستثنية تحديدا سكان المستوطنات اليهودية المقامة في تلك المنطقة.
وبالتالي يرسخ هذا القانون رسميا الاجراءات التي تشكل نوعا من التمييز العنصري القائم على الاثنية او الجنسية.
ووفقا للمادة 2 من القانون «لن يمنح وزير الداخلية الجنسية الى مقيم في «المنطقة» -اي المقيم العربي- بناء على قانون الجنسية ولن يمنح مقيما في المنطقة -اي المقيم العربي- اذنا للاقامة في اسرائيل وفقا لقانون الدخول الى اسرائيل ولا يجوز للقائد العسكري في المنطقة ان يمنح مثل هؤلاء المقيمين -اي المقيمين العرب- اذنا للبقاء في اسرائيل بناءً على قانون الدفاع في المنطقة».
ويشكل هذا القانون خطوة اخرى في السياسة الاسرائيلية المستمرة والتي تهدف الى تقييد عدد الفلسطينيين الذين يسمح لهم بالعيش في اسرائيل والقدس الشرقية، مما دعا لجنة الامم المتحدة للقضاء على اشكال التمييز العنصري لدعوة اسرائيل لالغاء هذا القانون واعادة النظر في سياستها بغية تسهيل جمع شمل العائلات على اساس لا يقوم على التمييز العنصري، كما دعت هذه اللجنة الى اعادة النظر في سياسة رفض طلبات جمع شمل العائلات لجميع المواطنين والمقيمين الدائمين في اسرائيل، ولكن هذه الدعوة بقيت دون استجابة، واستمرت سياسة التمييز العنصري وزادت شراسة وشدة ونتج عنها مآس واوضاع من ابرزها عدم تمكن الالاف من الفلسطينيين في اسرائىل والمقيمين في القدس من جمع شمل عائلاتهم، وبقي الزوج في مكان والزوجة في مكان والاولاد مقسمون بيهما، وخاصة ان المائتين وثلاثين الف فلسطيني الذين يقيمون في القدس لا يستطيعون مغادرة المدينة والا فقدوا تصاريح الاقامة ومعها حق العودة الى القدس، وقد الغت اسرائىل الاف التصاريح لهؤلاء السكان من القدس لانهم غادروها للزيارة او للعمل.
ان التقرير الذي اعلنت عنه منظمة العفو الدولية في تموز سنة 2004، يتضمن وقائع واحداث تشكل خروجا على كل الشرائع والقوانين والاتفاقيات الدولية، وهي وقائع موثقة بالاسماء والاماكن والارقام.
ومع ذلك لم يأخذ هذا التقرير ما يستحقه من اهتمام، لا من الجانب العربي او الفلسطيني ولا من الجانب الدولي.
كان يقال ان جنوب افريقيا هي اخر دولة كانت قائمة على التمييز العنصري.
ونحن نقول كانت هناك دولتان قائمتان على التمييز العنصري هما جنوب افريقيا واسرائيل.
وقد تمكن الشعب في جنوب افريقيا من الوصول الى حقوقه بنضاله الصلب والطويل، وسيصل الشعب الفلسطيني الى حقوقه بنضاله الصلب والطويل/ مهما طال الزمن وكثرت التضحيات.