تعرض العلامة والداعية الاسلامي الشيخ يوسف القرضاوي في الآونة الأخيرة الى هجمة شرسة من بعض الكتّاب والصحف العربية استهدفت مصداقية الرجل وشكّكت بنواياه، وحاولت أن تفرض عليه نوعاً من العزلة والشعور بالاحباط، خاصة حين ذهبت احدى الصحف العربية الخليجية في افتتاحيتها الى حد القاء المسؤولية كاملة على الشيخ عن ذبح الرهينتين الاميركييين في العراق الشهر الماضي، واخذت تطالب بمساءلة هذا الرجل واسقاط جنسيته القطرية، والتحريض عليه ونعته بالارهاب كصاحب لفتاوى (الذبح والتفجير) على حد تعبير الصحيفة، الى غيرها من النعوت التي نربأ بصحيفة او قلم عربي أن يأتي على ذكرها!!
ولم تهدأ الحرب الاعلامية على القرضاوي بعد، بل راح البعض يتهمه بأنه يصدر فتاويه من الغرف والاستديوهات «المكيفة والفنادق الفارهة ليتلقفها شباب «متهورون مبهورون بأنفسهم في مقاومة المحتلّ، فيعمدون الى تفعيل هذه الفتاوى من خلال ممارسات الخطف والذبح والتفجير وخاصة في العراق وفلسطين اضافة الى مناطق اخرى من بؤر ، التوتر التي ابتلي المسلمون فيها بداء الاحتلال الخارجي وللأسف فقد جاءت هذه الهجمة «من ابناء العمومة» متزامنة مع الهجمة الوقحة التي تعرض لها القرضاوي إبان مشاركته في اجتماعات المجلس الاسلامي الاوروبي في لندن خلال شهر اغسطس الماضي، حيث وُوجه القرضاوي بهجمة تصعيدية شرسة قادها اللوبي الصهيوني في بريطانيا الذي اثار ضجة واسعة على تلك الزيارة، وحمّل حكومة بلير مسؤولية السماح بدخول الشيخ الى اراضيها كأحد عناصر الارهاب الاصولي في العالم، وهو ما يتنافى مع الحرب التي تشارك فيها بريطانيا الى جانب الولايات المتحدة على الارهاب!!
ان ما تعرض ويتعرض له القرضاوي وربما غيره ايضاً يدل دون ادنى شك على ضيق افق اولئك الذين لا يريدون ان يروا من الكأس سوى نصفها الفارغ فقط، وقد نسوا او تناسوا ان هذا الشيخ الثمانيني لم يتوان قط عن توضيح موقفه الرافض لعمليات خطف وذبح المدنيين، وليس ادلّ على ذلك من مناشدته الحثيثة المخلصة لخاطفي الرهينتين الفرنسيين المختطفين في العراق، فقد وقف الشيخ مع فرنسا في هذه المحنة، واستقبل وزير خارجيتها في الدوحة، واعرب بكل وضوح عن ادانته لخطف هذين الصحفيين، وناشد الخاطفين بملء فمه سرعة الافراج عنهما.. ومع ذلك فإن المنهزمين والمستغربين (نسبة الى الغرب) يتوقعون من القرضاوي ومن غيره من أئمة وعلماء المسلمين ان يتنازلوا عن ثوابت دينهم وعقيدتهم، وأن يشاركوا في جوقة ما يسمى بالحرب على الارهاب وأن يذهبوا الى حدّ ادانة المقاومة الوطنية بكل اشكالها وصورها، وأن يباركوا الاحتلال، ويدعوا الناس الى القبول به والسكون اليه!!
هذا ما يبدو انهم يريدونه من الشيخ القرضاوي ومن غيره من العلماء وقادة الرأي العام في العالم الاسلامي، لذا فتحوا ابواقهم على الشيخ، وراحوا يبحثون في فتاويه واقواله عما يمكن ان ينفذوا من خلاله الى ادانته،، ويكفي الاشارة الى ان بعض من يدّعون انهم مفكرون عرباً ممن ما زالوا يحملون لواء الطعن والتشكيك برموز اسلامية وسطية رفيعة كمثل القرضاوي، ما انفكوا يغضون البصر عن وحشية المحتل سواء في العراق او في فلسطين، ويبدو ان دموية الاحتلال وعدم تمييزه بين طفل ورجل، وبين شيخ وشاب، وبين رجل وامرأة لا يعني في نظر هؤلاء الناس المفكرين الجانحين الى الاستسلام شيئاً، وان ذلك لن يثنيهم عن الاستمرار في تمجيد السياسات الاميركية في المنطقة كدولة محررة هرعت من وراء المحيطات فقط من اجل اغاثة المستغيثين في العراق وغيره.. ولتحريرهم من الظالم المعتدي ونجدة من صرخوا بأعلى اصواتهم من شوارع الرشيد والكوفة والفلوجة والنجف والناصرية (وا.. أميركاه..!) لا من شوارع لندن وواشنطن وتل ابيب!!!
كلمة اخيرة: الحرب على الوسطية الاسلامية التي يمثل الشيخ القرضاوي احد ابرز رموزها في الوقت الراهن، او كما .. اطلق عليه بعض الكتّاب المنصفين هنا في الدوحة إمام التيار الاسلامي الوسطي (تؤذن بتعميق التيار) الاصولي المتشدّد في العالم.. وضرب الخناق على الصوت الوسطي يعني فتح المجال لأصوات التشدد لكي ترتفع في الآفاق.. ويجوب صداها انحاء" المعمورة.. فلمصلحة من الهجمة على الوسطية الاسلامية ورمزها العلامة الشيخ يوسف القرضاوي..؟؟