التعاون الاردني الألماني في دراسة وحفظ الآثار الاردنية
12:00 8-10-2004
آخر تعديل :
الجمعة
التعاون الاردني الألماني في دراسة وحفظ الآثار الاردنية
احتفل امس الخميس 7/10/2004 برعاية صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين والرئيس الألماني هورست كول في متحف بيرغاموم ببرلين بافتتاح معرض «وجوه من الشرق» الذي يعكس الدور الذي لعبه الاردن في نشوء الحضارات في منطقة بلاد الشرق الاردني القديم، كما ويوفر فرصة للزائرين للاطلاع على غنى الاردن الحضاري.
وتتضمن القطع المعروضة في هذا المعرض آثارا لا مثيل لها في العالم مثل تماثيل عين غزال والتي عثر عليها في أعوام 1983 و 1985 وتعد من أقدم، ان لم تكن أقدم، تماثيل في العالم تجسد الانسان بحجمه الطبيعي. كما ويهدف هذا المعرض الى ابراز واظهار التعاون الاردني الألماني في دراسة وحفظ الآثار الاردنية التي تحكي قصة الحضارة الاردنية منذ أقدم العصور. وحيث ان للباحثين والدارسين الألمان ومنذ قرون طويلة باعاً طويلة في تقديم معلومات قيمة حول تاريخ وآثار الاردن وهذا يستدعي استعراض أهم النشاطات الاثرية الميدانية المشتركة بين باحثين اردنيين وألمان مع التركيز على ما حدث خلال العقود الثلاثة الاخيرة من حفريات ومسوحات أثرية والمحافظة على الآثار الاردنية وتطوير المواقع الاثرية وتأهيلها لخدمة الاغراض السياحية وكذلك إقامة المؤتمرات والندوات والمعارض المشتركة.
لقد اهتم الاوروبيون منذ العصور الكلاسيكية بدراسة تاريخ وآثار بلاد الشرق الادنى القديم، لذلك قاموا بارسال مجموعة من المستكشفين والرحالة الذين قدموا مجموعة من التقارير حول المناطق التي زاروها.
ولا يخفى على أحد ان طبيعة الاهتمام في بادئ الأمر كان لاسباب دينية، كون ان منطقتنا والاردن خاصة، جزء من البلاد المقدسة. لكن الأمر قد اختلف في الوقت الحاضر لوجود مجموعة جديدة من العلماء الذين يبحثون من أجل التعرف على ماضي الانسان القديم. على أية حال، فان التقارير الاولى التي كتبها الرحالة والمستكشفون جاءت عشوائية ولم تتبع اي منهج علمي / وبناء عليه فلقد قام الاوروبيون وخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر بتأسيس مجموعة من المدارس والمراكز والمعاهد والتي هدفت للبحث في آثار وتاريخ بلاد الشرق الادنى القديم، وبطبيعة الحال قام الألمان بتأسيس بعضها مثل: الجمعية الألمانية ـ الشرقية والتي تأسست في 24/1/1898م وكان مركزها برلين، وكذلك تم عام 1900 انشاء المعهد البروتستنتي الالماني لدراسة آثار الاراضي المقدسة، ومركزه القدس، كما وافتتح فرع له عام 1978 في عمان.
واذا كانت الجمعية الالمانية ـ الشرقية وكذلك معهد الآثار الألماني قد ركزا أبحاثهما على دراسة تاريخ وآثار بلدان العراق وتركيا وسوريا واليمن وعُمان، فان المعهد البروتستنتي في عمان قد أشرف وقام بعدد كبير من المسوحات والحفريات الأثرية وأعمال الصيانة والترميم في مناطق متعددة من الاردن ومن أهمها ما يجري في موقع أم قيس. فقد ساهم الألمان في الكشف عن آثار المدينة وترميم المدرج الروماني فيها بالاضافة الى بعض البيوت العثمانية، كما ساعد الألمان دائرة الآثار العامة الاردنية في تأسيس متحف الآثار في الموقع.
إننا لن نستطيع ان نتحدث بإسهاب عن جميع النشاطات الأثرية المشتركة بين الباحثين الألمان والاردنيين، لكننا نستطيع القول ان عددا كبيرا من المشاريع المشتركة قد حصلت.
فبالاضافة للحفريات الاثرية فلقد تم اجراء عدد من المسوحات الأثرية في مناطق متعددة من الاردن مثل ام قيس وما جاورها وتل زرعة ووادي الشلالة وفي محيط مدينة اربد وفي منطقة سحاب والكرك والبتراء والعقبة ووادي فينان. أما في مجال التنقيب عن الآثار فقد أجرت المؤسسات الألمانية عددا من المشاريع المشتركة مع عدد من الجامعات الاردنية ودائرة الآثار العامة الاردنية.
فمثلا قامت جامعات تيوبنجن وبرلين الحرة وفوبرتال بالتنقيب في مواقع خربة الزيرقون والمغير وسال والشلاف والخناصري وتل زرعة وتل الجحفية في شمالي الاردن وموقع البسطة في محافظة معان بالمشاركة مع جامعة اليرموك ومساعدة دائرة الآثار العامة.
ولقد أشرف على هذه المشاريع أساتذة من الجامعات الألمانية واليرموك، كما نتج عن هذه المشاريع عدد من المنشورات العلمية على شكل كتب ومقالات نشرت في مجلات علمية متخصصة. كذلك قام عدد من الطلبة الاردنيين والألمان بدراسة المكتشفات الأثرية من هذه المواقع واستخدامها في اطروحاتهم ورسائلهم لنيل اما درجة الدكتوراة او الماجستير، كما وعقدت المؤتمرات وحلقات البحث العلمي حول نتائج هذه التنقيبات، وبهذه المناسبة لا يفوتني ان أذكر ان جامعة تيوبنجن الألمانية قد استضافت في عام 1986م المؤتمر الدولي لدراسة تاريخ وآثار الاردن.
كما تقوم الجامعة الاردنية ومنذ سنوات وبمشاركة معهد الآثار الألماني ببرلين باجراء مسوحات وحفريات أثرية في منطقة العقبة «المقص وحجيرة الغزلان»، وكذلك أجرت بعثة أثرية المانية وبالتعاون مع دائرة الآثار العامة مسوحات وحفريات أثرية في منطقة البالوع في محافظة الكرك، وقامت اخرى بدراسة منطقة وادي فينان وركزت دراستها على استطلاع فهم التعدين واستخراج معدن النحاس من هذه المنطقة.
لقد ساهمت المؤسسات الألمانية بشكل كبير في المحافظة على التراث الاثري الاردني، فعلى سبيل المثال جلبت روعة آثار مدينة البتراء انتباه كل من يزورها او يقرأ عنها.
كما شغل بال المسؤولين في الاردن كيفية المحافظة على ديمومة الواجهات الصخرية المنحوتة فوجدوا في مؤسسة التبادل العلمي الألماني (GTZ) ضالتهم فقام مشروع مشترك هدف الى انشاء مركز علمي لصيانة وترميم آثار البتراء ساهم فيه كل من جامعة اليرموك والجامعة الهاشمية ودائرة الاثار العامة الاردنية. كما قدمت المؤسسة الألمانية الخبرات البشرية ودربت الكوادر الوطنية الاردنية على كيفية صيانة وترميم آثار البتراء، كما وزودت المركز الذي أطلق عليه اسم:
Conservation and Restoration Center in Petra (CARCIP)
بجميع اللوازم والادوات العلمية المستخدمة في صيانة وترميم الآثار وقد تم افتتاح هذا المركز تحت رعاية ملكية سامية وسلم لدائرة الآثار العامة الاردنية.
وحيث اننا بصدد البحث في مجال الصيانة والترميم في الاردن فان لكل من جامعتي اليرموك والهاشمية علاقات تبادلية مع عدد من المؤسسات الألمانية المتخصصة في هذه الحقول، فمثلا وقعت اتفاقية بين جامعتي اليرموك وبراندبيرغ في ألمانيا تنص على اجراء الدراسات والأبحاث الميدانية المشتركة وتبادل الطلبة واعضاء هيئة التدريس المتخصصين في هذه المجالات.
كذلك اهتمت الحكومة الألمانية بتطوير المواقع الأثرية الاردنية للاستفادة منها واستخدامها للأغراض السياحية، فإذا كان أمر المحافظة على الواجهات الصخرية في مدينة البتراء يصب في هذه القناة، فإن انشاء متحف وترميم الآثار وعمل اللوحات التوضيحية وتثبيتها امام الشواهد الأثرية في مدينة أم قيس لهو خير دليل على هذا الأمر.
ولم ينته امر التعاون الاردني الألماني عند حد القيام بالمشاريع الميدانية المشتركة بل تعداه الى المساعدة في انشاء المتاحف وإقامة المعارض الاثرية المشتركة.
وإذا كنا قد ذكرنا متحف بلدة أم قيس، فإننا نود ان نذكر ايضا بأن «متحف التراث الاردني» في جامعة اليرموك الذي افتتح في عام 1988 في حرم جامعة اليرموك قد أقيم بمشاركة متحف Linden Museum في مدينة شتوتجارت وبدعم من الحكومة الألمانية كذلك تم في عام 1987 وفي متحف:
Rautenstrauch - Joest - Museum fuer Volkerkunde
في مدينة كولون افتتاح معرض للآثار الاردنية أطلق عليه اسم: «طريق الملوك: 9000 آلاف عام من الفن والثقافة في الاردن وفلسطين».
Der Konigs Weg. 9000 Jahre Kunst and Kultur in Jordanien und Palaestina ولقد شارك في تنظيم هذا المعرض وساهم في كتابة موضوعات الكتالوج الذي وزع على هامشه عدد من الباحثين الألمان والاردنيين خاصة من جامعة اليرموك ودائرة الآثار العامة الاردنية.
من هنا نرى ان إقامة المعارض الأثرية والتراثية تساعد على التعريف بآثار الاردن وتشجع الناس على زيارته للاطلاع على كنوزه الأثرية، وهذا بطبيعة الحال يؤدي الى زيادة الدخل القومي لأنه يشجع على السياحة.
لقد أدرك المسؤولون في الاردن وألمانيا أهمية اقامة مثل هذه المعارض خارج الاردن ورأوا انها تساعد في تقديم معلومات هامة حول تاريخ وثقافة الاردن، وبناء عليه فلقد اتفق المسؤولون على إقامة معرض للآثار الاردنية في مدينة برلين خلال هذا العام. ففي مؤتمر صحفي عقده السفير الألماني بعمان يوم 30/9/2004م الدكتور كلاوس بيركهاروت أعلن عن ان جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين والاستاذ الدكتور هورست كول رئيس الدولة الألماني سيفتتحان يوم 7/10/2004 معرضا للآثار الاردنية أطلق عليه اسم «وجوه من الشرق Faces of the Orient».
وبالاضافة الى دائرة الآثار العامة الاردنية فلقد ساهم في انجاز هذا المعرض عدد من الجامعات الاردنية نذكر منها بشكل خاص جامعتي اليرموك والاردنية، كما ومن المتوقع ان يحضر حفل الافتتاح والمساهمة في محاضرات الندوة العلمية التي ستقام على هامش المعرض عدد من الباحثين الاردنيين.
ولم يتوقف التعاون الاردني الألماني لدراسة وحفظ الآثار الاردنية عند هذا الحد، فلقد استقبلت الجامعات الألمانية عددا من الدارسين الاردنيين الذين حصلوا على بعثات او منح من عدد من الجهات الرسمية الألمانية نذكر منها مؤسستي (Alexander von Humboldt والمؤسسة الاكاديمية الألمانية للتبادل العلمي (DAAD) وكذلك تقدم المؤسسة الألمانية للبحث العلمي (DFG) عددا من الكتب والمجلات العلمية المتخصصة في حقول علم الآثار للمكتبات في الاردن، خاصة دائرة الآثار العامة وجامعة اليرموك، في الختام نرى ان التعاون بين العاملين في مجال الآثار في كل من الاردن والمانيا قد وضعوا يدا بيد لخدمة الآثارالاردنية والتي تحكي قصة الانسان على هذه الارض الطيبة منذ أقدم العصور وحتى أيامنا هذه صحيح ان هذا التراث الاثري ملك لأبناء الوطن والذين من واجبهم المحافظة عليه، لكنه يبقى أيضا جزءا من التراث العالمي مما يؤكد اهتمام جميع ابناء البشرية في التعرف عليه وديمومته وحفظه للأجيال القادمة.
أ.د. زيدان عبدالكافي كفافي
كلية الآثار والانثروبولوجيا
جامعة اليرموك
اربد ـ الاردن
Zeidank@yahoo.com