صناعة الكراهية للعرب والمسلمين في الاعلام الغربي

صناعة الكراهية للعرب والمسلمين في الاعلام الغربي

اصبحت الشركات العملاقة متعددة الجنسية في العقود الاخيرة، من القوى الرئيسية المسيطرة، على ميادين التدفق الاعلامي وخاصة في المعلومات والاحصاء والصور، والواقع ان المعيار الذي تحتكم اليه هو معيار الربح والخسارة، ونجم عن ذلك اتساع الهوة بين من يملك المعلومة ومن يفتقدها، وهذا بحد ذاته يظهر لنا نوعا آخر من انواع البؤس البشري المأساوي، ومما يميز الاعلام الراهن في ظل هيمنة الدول المتقدمة عليه، انها تبث من خلال فلسفتها في توجيه العمل الاعلامي وأساليب أدائه لرسالته. وأهم ما يقوم به الاعلام الاميركي في هذا المجال هو رفضه لنشر حقائق وآراء تنتقد السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وكثير من الصحفيين والمراسلين والمحررين رفضوا الاستمرار في القنوات الاعلامية الاميركية، نظرا لانها رفضت نشر ما كتبوه او بث ما صوروه، ليس هذا فحسب، بل هدد بعض العاملين في المجال الاعلامي بالفصل من العمل اذا استمرت افعالهم وأعمالهم تستند الى التقييم الانتقادي للسياسة الاميركية. وقد روجت وسائل الاعلام الغربية وعلى رأسها وكالات الانباء الاميركية، لفكرة مفادها ان مصالح العالم الأمنية والقومية تتوقف على وجود قوات اميركية في مناطق عديدة من دول الشرق الأوسط، وخاصة الدول العربية من اجل حماية الاستقرار والأمن الدوليين، وهو ما ادى الى انتشار القوات الاميركية في مناطق عديدة، وان كانت تحت مظلة الامم المتحدة في بعض الأحيان، مثل ما حدث في الصومال والقوات الحالية الموجودة في منطقة الخليج. لقد برع اللوبي الصهيوني الغربي في استخدام وسائل الاعلام الاميركية والاوروبية العصرية صاحبة التفوق والتقدم والتأثير في كافة المجالات، لمخاطبة الوعي واللاوعي عند الجمهور، ضد كل من يعارض اهداف وسياسات هذا اللوبي القوي النفوذ، هذه السياسة الرامية الى اعادة صياغة العقول المهيمنة التي تستمد قوتها من الغرب عموما ومن الولايات المتحدة خصوصا، مما يترتب عليه ان يغفر لها الغرب كل جرائمها ضد الانسانية، والتي فاقت وحشيتها كل تصور، ومع ذلك تجد لها تبريرا في وسائل الاعلام الغربية، فدائما اسرائيل هي المعتدى عليها واليهود هم الضحايا والمشروع اليهودي ـ الصهيوني ـ في حالة دفاع عن النفس، في مواجهة عدوان خارجي، هذا العدوان تمثل قديما في الاوروبيين وهو متمثل في العرب، يقول جولد برج مؤلف كتاب القوة اليهودية، الذي عالج اسرار الهيمنة اليهودية على المجتمع الاميركي، ان قوة الكلمة هي سر القوة اليهودية. فالكلمة التي يكتبها كبار الصحيين والكتاب اليهود في وسائل الاعلام الاميركية المختلفة، هي التي تشكل العقول وتصنع الرأي العام، اذ انه من الثابت ان اليهود الاميركيين ممثلون في صناعة الاعلام بنسبة تفوق كثيرا جدا نسبتهم الى مجموع المواطنين في اميركا سكانيا يمثل اليهود نحو 2% من مجموع الاميركيين واعلاميا تتراوح نسبتهم ما بين 30% الى 50% من العاملين في المجال الاعلامي، ورغم ذلك فان عدد الكتاب وكبار الصحفيين وأصحاب المراكز القيادية اليهود في الاعلام تصل الى 25% من مجموع هؤلاء، اي انهم يمثلون النخبة الاعلامية ذات النفوذ والتأثير، وخصوصا في اقسام الاخبار والتعليقات في الصحف وشبكات التلفزيون الكبرى والمجلات الاسبوعية المهمة، وتحديدا في اكبر اهم اربع صحف اميركية وهي «نيويورك تايمز، واشنطن بوست، وول ستريت جورنال، لوس انجلوس تايمز» اي ان هذه الصحف خاضعة للنفوذ اليهودي سواء عن طريق بعض ملاكها من اليهود او عن طريق التحكم في المناصب الرئيسية ذات التوجيه فيها. وهذا دليل واضح على ان الكلمة ذات الوزن والتأثير في صناعة العقل وتوجيه الرأي وتحديد الموقف، قد صارت رهينة في ايدي شركات واحتكارات وأفراد يهود، لهم مصالحهم وأهدافهم ومعهم امكانياتهم المالية والادارية، والفنية والتقنية، التي مكنتهم من السيطرة على الرأي العام الاميركي، الذي تم اختطافه بهذه الطريقة لصالح القوة اليهودية المهيمنة، والذي استمد مواقفه مثلا من الصراع العربي ـ الاسرائيلي. وعن صورة اسرائيل الدولة الديمقراطية واليهودي المضطهد المعذب المدافع عن قيم الحرية والتسامح، في وجه صورة العرب المتوحشين العدوانيين، الذين يريدون القاء اسرائيل في البحر وطرد الاسرائيليين المسالمين من ديارهم. ان هذه الوسائل الاعلامية هي عبارة عن حلقات مترابطة متكاملة تؤدي ادوارها بانتظام واتقان، وتقدم الدعاية الاعلامية والفنية والثقافية، التي تخدم الهدف الأسمى للقوة اليهودية الاميركية والعالمية، الا وهو بناء اسرائيل الكبرى، والدفاع عن سياساتها التوسعية العدوانية، واعادة انتاج وتقديم صورة اليهودي الطيب مقابل العربي الشرير والمسلم الارهابي. واذا كانت منظمات اللوبي الصهيوني وجماعات الضغط الحليفة لها، تقوم بالعمل السياسي المباشر مع صناع القرار السياسي في الولايات المتحدة الاميركية، من البيت الأبيض الى وزارتي الخارجية والدفاع الى الكونجرس بمجلسيه، فان منظومة الاعلام والسينما والمسرح ودور النشر خاضعة ـ كما ذكرنا سابقا ـ للهيمنة اليهودية، تقوم بما هو اعمق وأهم وهو التأثير السريع والمباشر في الرأي العام ونخبة المثقفين من ناحية واختراق المجتمع بكل فئاته من ناحية اخرى. فكل هذه الاحداث تدل على تعاطف المواطن الاميركي العادي مع اسرائيل والتبرع لها والتظاهر دفاعا عنها في الشارع يوم العطلة المقدسة، وحتى في الاستخدام الاميركي للفيتو في مجلس الأمن ضد اي قرار يدين اسرائيل. هذا لم يكن يتم لولا قوة تأثير اللوبي اليهودي المتغلغل في مسام المجتمع الاميركي، فلقد تمكن هذا اللوبي من اللعب بمشاعر الخوف والفزع لدى الاميركيين من هاجس «الارهاب الاسلامي» كما اشاعوا تسميته من جهة واستغلوا من جهة ثانية كثيرا من وقائع ما جرى ضد المصالح الاميركية في البلاد العربية الاسلامية، لتكون سندا لدعوتهم ابتداء من احتجاز الرهائن في السفارة الاميركية بطهران عام 1979 وانتهاء بالهجوم الانتحاري المفاجىء على برج التجارة العالمية بنيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن يوم الحادي عشر من ايلول عام 2001. لذلك نرى ان وسائل الاعلام الغربية تقوم بتصوير حركة طالبان بأنها الاسلام، وان ابن لادن مسلم على غرار ما جاء في الفيلم الوثائقي المسمى «الارهاب والقوة العظمى» الذي اذاعته شبكة تلفزيون PBS الاميركية الذي يتشابه مع فيلم سابق، له بعنوان «الجهاد في اميركا» وكلاهما الحق اشد الأذى بسمعة العرب والاسلام والمسلمين، مستغلا ما قامت به منظمات متطرفة تغطى بشعارات اسلامية. ونتيجة الهجوم الانتحاري على نيويورك وواشنطن شعر الاميركيون بالصدمة الكبرى بسبب هولها وعمق جراحها المادية والنفسية، فقد اعادت بسرعة فائقة وعدائية ظاهرة وكراهية متجددة، بانتاج الصورة النمطية المقولبة للعربي والمسلم الارهابي الوحش الحقود الكاره للحضارة الغربية الديمقراطية المتسامحة. لذلك نجحت وسائل الاعلام الغربية في ظل تقدمها التكنولوجي الفائق وانتشارها السريع على خريطة العالم نتيجة ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال، في ان تنشر وتعمق نتاج هذه التوجهات الايديولوجية الغربية المعادية وترسيخها في العقول لهذه الصورة النمطية المغلوطة عن العربي المسلم، خالطة بقوة وحرفية بين نظريات المستشرقين القدامى والجدد، خاصة برنارد لويس صاحب المؤلفات العديدة المشوهة للاسلام وبين افكار السياسيين الغربيين، لتقدم صورة نمطية قوامها ان الاسلام دين غير ديمقراطي وغير عقلاني، وانه يمثل خطرا داهما على الحضارة الغربية «اليهود ـ مسيحية» على نحو ما اشاعه صموئيل هنتجتون في نظريته الحديثة عن صدام الحضارات وبروز الحضارة الاسلامية كمتحد للحضارة الغربية. وفي المقابل نرى الاثار السلبية الضارة التي زادتها ما يسمى الحرب العادلة ضد الارهاب عنفا وشراسة لدى الاميركيين، فان العرب والمسلمين قصروا كثيرا وطويلا في مقاومة الصور النمطية التي روجتها الدعاية الصهيونية عن جهل وتجاهل، لم تقم الدول العربية وحكوماتها بما تمتلكه من امكانيات وأموال وعلاقات، بدورها في محاولة محو هذه الصور، ولم تبذل المنظمات والاتحادات العربية جهدا يذكر، ولم تبادر منظمة عربية او اسلامية اميركية بعمل حقيقي وفعال، لذلك كانت الاثار العكسية بهجمات ايلول داخل المجتمع الاميركي الذي استشاط غضبا وثار طلبا للثأر والانتقام من اصغر مواطن الى رئيس الدولة، لذلك يجب على العرب والمسلمين ان يبادروا في افشال حملات الكراهية والتحريض باسم صراع الحضارات على المدى القصير، وعليهم ان يفعلوا ذلك على وجه سريع وعلى نحو عملي، مما يساعد على تقديم الدور الايجابي للحضارة العربية والاسلامية، وبتقديم اسهاماتها المشتركة لخير البشرية جمعاء، على المدى البعيد، تطلعا لانتزاع اعتراف الحضارة الغربية الاوروبية ـ الاميركية، المسيحية ـ اليهودية، بدور حضارتنا العريقة ومكانتها في مسيرة الانسانية في الماضي والحاضر والمستقبل بديلا لتلك الصور التي زرعت العداء او الكراهية للحضارة العربية الاسلامية وفرضت تهميشها.