اشكالية ندفع ثمنها غاليا

اشكالية ندفع ثمنها غاليا

الاشكالية التي اتناولها هنا هي بحق اشكالية خطيرة هدفها او افتعلها كبارنا من قادة وسياسيين عرب، وكان ان دفعت ثمنها الجماهير العربية، أقول صنعها او افتعلها الكبار لأنها اصلا لم تكن موجودة، أما سبب الافتعال فعائد .. مع الاسف الى مخاوف غير مشروعة يهجس بها بعض المسؤولين في أمتنا لسبب أو لآخر. هل أقول ان المزاجية العربية تلعب دورا ما في خلق هذه الاشكالية؟ ربما هل أقول ان هناك تصفية حسابات بين هذا المسؤول وذاك؟ ربما ولأقترب من الموضوع أكثر. الاشكالية التي أقصدها هي «القطرية» المضادة للقومية، فثمة حالة غير مسبوقة عربيا نعيشها هذه الأيام حينما نجهض انتماءنا القومي حفاظا على قطريتنا، حين نكرس التعصب والكراهية والبغضاء على مستوى الشعوب، فهمش ما بين ابناء هذا القطر العربي وابناء القطر الآخر من وشائج القربى والانتماء والدين، بل ـ ومع الأسف ـ يتم تغييب هذه الوشائج ارضاء للمزاجية والخلافات الجانبية بين القادة والرؤساء. وقد أصاب الاستاذ محمد حسنين هيكل حين قال في احدى حلقاته عبر فضائية الجزيرة، إنني أخشى ان تنتقل عدوى الخلافات العربية من «القمم» الى الشعوب، فيغدو الشارع العربي في هذا القطر العربي محتفيا بالكراهية ضد الشارع العربي الآخر في قطر آخر. وهذا ـ بصراحة ـ ما بتنا نلمسه، فهناك من يغذي هذا التوجه الخطير الذي من شأنه ان يمزق الانتماء القومي الذي طالما تباهينا به. الجيل الناشئ ستفزعه هذه الظاهرة الشاذة، فهو يقرأ في الكتب المدرسية «بلاد العرب اوطاني .. الخ» ولكنه حين يبصر بأم عينه ان حدود هذا البلد الشقيق او ذاك موصدة في وجهه ووجه اسرته لا يستطيع اجتيازها الا بعد شق النفس، ومراجعات طويلة قد تنتهي احيانا بمنعه واسرته من العبور للبلد الشقيق دون سبب مشروع. سيشعر عندها بأن ما لقنه صغيرا او استظهره من اناشيد قومية ليست الا اضاليل. اتساءل: لماذا يحصل كل هذا؟ لماذا نرغم الجيل الناشئ على ممارسة البغض والكراهية والتعصب بدلا من ترسيخ الانتماء القومي في نفسه؟ لماذا ينقل كبارنا من القادة والروساء خلافاتهم الجانبية الى الشوارع العربية؟ اكثر من هذا، لماذا اذا اختلف قائدان او مسؤولان عربيان لاسباب كثيرا ما تكون شخصية او هامشية، يتم غلق الحدود بينهما او على الاقل التشديد على عبور وتنقل مواطني هذين البلدين، بحيث يغدو التنقل بينهما شديد الصعوبة على مواطني هذين القطرين؟ ما ذنب الشعوب ان تحرم من هذا الحق القومي لأن القادة قد اختلفوا؟ والادهى من ذلك ان هذه الخلافات كثيرا ما تنعكس على الصادرات والواردات بين هذين القطرين. اليست هذه مفارقات عجيبة لا تتفق والشعارات القومية التي يتغنى بها اعلامنا العربي صباح مساء؟ ولا تنسى هنا انعكاسات هذا التوتر في العلاقات الرسمية العربية / العربية على جالية هذا البلد او ذاك، فسرعان ما يجري اضطهادها او إنهاء عقود بعض العاملين من هذه الجالية دون وجه حق! قد يتهمني البعض بالمبالغة، وبصدق اقول: لست مبالغا، والكثيرون من ابناء هذه الأمة يوافقونني فيما ذهبت اليه. الانسان العربي هو الذي يسدد فاتورة هذه الخلافات، فيضار في رزقه ان كان يعمل في هذا البلد او ذاك، بل كثيرا ما يطرد خارج الحدود جراء بروز الخلافات الثنائية بين بلدين عربيين شقيقين. ألم تحدث مثل تلك الكوارث خلال الحقب السابقة؟ أية جريرة هذه التي اقترفتها اسر عربية أبعدت الى وطنها؟ لماذا يلجأ الى الحلقة الاضعف عند استعار الخلافات. والمضحك المبكي انه في حال عودة المياه الى مجاريها بين البلدين المتنازعين، قد يسمح بعودة المبعدين!! يبقى السؤال: من المستفيد من هذه الخلافات؟ من المستفيد من النفخ في نار «القطرية» او «الطائفية»؟ أليس هم اعداء العرب وفي مقدمتهم «اسرائيل» ومن يساندها؟ ترى هل اقول اننا كقادة وزعماء بتنا نخاصم عروبتنا، نقفز على قيمنا العربية والاسلامية، نصغي لما يسره الآخرون من الخارج في آذاننا، بينما لا نصغي الى نبض شعوبنا وصيحاتها المحتجة على واقعها المرير. هل أقول إن العقوق الرسمي العربي قد بلغ مداه، فأمسى العربي غريبا أو شبه غريب في أرضه؟ هل أقول إننا أمة فقدت كبرياءها القومي وباتت ممزقة الاوصال تنوشها السهام من كل جانب؟ اما من بقية كرامة ترد عن هذه الأمة شراسة هجمة عاتية لن توفر احدا!. ذات مرة وصف شاعر عربي عقربا استفزتها صخرة فراحت تكيل لها الضربات بذيلها قال: رأيت على صخرة عقربا فقلت لها أمالك تضربين فقالت: صدقت، ولكني وقد جعلت ضربها ديدنا وطبعك من طبعها ألينا؟ أريد أُعرِّفها من أنا! أخيرا، اتساءل: هل نتعلم من هذه الحكاية الرمزية معنى الارادة في زمن يتساقط فيه الضعفاء.