العمل رياضة بدنية وفكرية

العمل رياضة بدنية وفكرية

في حين يكثر الحديث والجدل حول البطالة والمعاناة القاسية التي يتجرع مرارتها اعداد كبيرة من العاطلين عن العمل واخص بالذكر الشباب حملة الشهادات الجامعية التي لم يتم حصولهم عليها الا بعد جهد وعناء وتضحيات كبيرة من الاهل في سبيل تحقيق آمال وطموحات ابنائهم في مستقبل مشرق يتيح لهم العيش الكريم والاستقلالية ، التقيت بأحدهم يكثر الشكوى والتأفف وعدم تحمل الاعباء التي تنصب عليه من كثرة العمل. وعن الارهاق الشديد الذي كاد يؤدي به الى الموت كما حدث لجاره الذي سقط في مكان عمله مصاباً بنوبة قلبية حادة قيل حين ذاك بأن كثرة العمل هي التي ادت الى اصابته بالنوبة. فكرت بقوله مليّاً وسألته قائلة لم كل هذا الاجحاف في حق العمل، فكثرته لا دخل لها في الموضوع، وليس العمل هو المسؤول عما حدث لجارك. بل ان الظروف التي تصاحب العمل مثل التوتر والقلق وعدم الشعور بالاطمئنان. والشعور بانعدام القدرة على مواجهة تحديات العمل هي السبب فيما يصيب المرء من ازمات صحية ونفسية. فلو انتفت مثل هذه العوامل من مجال العمل فلن يصاب احد بأذى. فقلة العمل لا كثرته هي التي تؤذي المرء وتحبطه وتطيح بآماله واحلامه وتدفعه نحو هاوية الفقر والجوع، وقد يتلبسه الاكتئاب ويضنيه وربما يؤدي به الى التهلكة. ويكفي ان نتأمل حياة رجل ترك عمله وخرج الى التقاعد ووجد نفسه فجأة بعد زحمة العمل بدون عمل، وخاصة اذا لم يكن لمثل هذا الرجل اهتمامات اخرى. ترى ماذا يكون عليه حاله بعد فقده السلاح الذي كان يعينه على احتمال الحياة واجتياز عقباتها والتغلب على مصاعبها والحصول على متطلباتها. قد يجد الملل يفترسه ويعمل على قتل معنوياته وتحطيم امانيه وطموحاته لان الملل مرض من امراض المجتمع وقد لا يصيب الا العاطلين عن العمل والذين يستسيغون طعمه. فمن يعش متزوداً بالملل يمت وهو على وجه الحياة وطعم الملل في فمه. ثم ان المشكلات الخاصة والعامة في مجالات الحياة سمة من سمات الحياة وكل منا يتعرض لمشاكل كبيرة وصغيرة تصل احياناً الى مستوى ازمات قد تقتل المرء معنوياً وتقضي عليه تماماً ان لم يتصد لها بسلاح فعال هو العمل. ففي العمل يجد الانسان الخلاص من الازمات التي يتعرض لها، وبه يستطيع التغلب على كل المصاعب والحرمان من متطلبات الحياة. فالعمل ليس سلاحاً يعيننا على الحياة فحسب ، بل هو السلاح الذي يضفي المعنى على الحياة ويعطيها لوناً جذاباً رائعا ومذاقاً جيداً طيباً. ففي البداية نجد في العمل الخلاص من الملل ومن الوحدة والفراغ والمشاكل والازمات. وفي النهاية نجد في العمل معنى الحياة ورونقها واهميتها. ومن خلال العمل يكتشف كل منا قدراته وذاته... فإذا ما اكتشف الانسان ذاته تحدد هدف هذه الذات وتحدد بالتالي معنى الحياة. والحياة بلا هدف، حياة بلا غد بلا امل بلا مرحلة نسعى الى تحقيقها، حياة لا يسعى الانسان فيها الى شيء ولا ينتظر فيها شيئاً سوى النهاية . فالعمل هو اجل واعظم سلاح يعيننا على الحياة وافضل وسائل الرياضة البدنية والفكرية.