رأي عربي - تركيا بين العرب وأوروبا

رأي عربي - تركيا بين العرب وأوروبا

قبل نحو عامين، تقدمت تركيا بطلب للانضمام إلى الجامعة العربية بصفة مراقب· ولم يرشح شيء بعدئذ عن مصير هذا الطلب · لكن الواضح انه قد تم طيه من الطرفين · هذا في الوقت الذي كان فيه كثيرون يشكون من تقارب وثيق بين أنقرة وتل أبيب · على أن هذه الشكوى لم تقترن بتحرك عربي جدي وكافٍ باتجاه الجار التركي ، وحتى بعد صعود حزب >العدالة والتنمية< إلى الحكم متمتعاً بأغلبية نيابية كاسحة · الآن فإن تركيا تلح للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ، هو توجه قد يراه البعض منا بأنه دليل على جنوح تركي إلى الغرب ، بدل الدائرة الإسلامية ومن ضمنها الدائرة العربية · وفي واقع الأمر فإنه لا يوجد ما يسمى بدائرة إسلامية ، ضمن كيان سياسي واقتصادي وقانوني يعتد به · أما الاتحاد الأوروبي الذي يضم 52 دولة ، فإنه يوفر فرصاً هائلة للتطوير في مختلف المجالات ، ويمنح بلاد الأناضول فضاء رحباً للتفاعل مع أفضل منجزات العصر في سائر الميادين · والفضاء الأوروبي هو أفضل بديل عن خيارات أخرى، مثل حلف تركي إسرائيلي مشؤوم ، وقد لوحظ أن التقارب بين أنقرة وتل أبيب قد خفت وتيرته ، في ظل حكومة >العدالة والتنمية < بما في ذلك التعاون العسكري، وقد لقيت حكومة شارون نقداً شديداً ومريراً على سلوكها التوسعي والدموي من أنقرة، الأمر الذي لم يصدر مثله من بعض العرب · أما الخيار الآخر والثاني ، فكان تعزيز العلاقات مع الإدارة الجمهورية في واشنطن، ومماشاتها في حربها على العراق، وهو ما لم تقدم عليه حكومة رجب طيب أردوغان ، رغم عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي ، وكان يفترض في بعض سيناريوهات المحافظين الجدد ، أن تذهب تركيا بعيداً في تحالفها مع واشنطن ، أن تشارك في إعادة هندسة الشرق الأوسط ، وبما يكفل تسيد الدولة الإسرائيلية على المنطقة، مع تمتع تركيا ببعض الامتيازات · غير أن تركيا خرجت من ذلك لاختيار المجال الأوروبي ، بما يحمله من مفاهيم ورؤى متقدمة ، تقوم على التعاون الدولي واحترام شرعة الأمم المتحدة ، وحل النزاعات بطريقة سلمية ، والابتعاد عن المفاهيم المريضة لصراع الحضارات والثقافات ، والذي يضمر صراعاً بين الشعوب والأمم وحتى بين الأديان · والمسيرة التركية نحو المجموعة الأوروبية ستكون طويلة ، وهناك من يحدد العام 5102 كموعد للانضمام النهائي أو الكامل إلى الاتحاد الأوروبي · غير أن هذا البلد بات مرشحاً بقوة للانضمام ، والحوار التركي الأوروبي قائم على قدم وساق على مختلف المستويات ، وقد ساعد هذا التوجه على خفض تحكم مجلس الأمن القوي التركي (المؤسسة العسكرية) في الحياة السياسية الداخلية · ولم يعد هذا البلد نهباً لتجاذب إسرائيلي أميركي حول خيارات الاستراتيجية وتوجهاته المستقبلية · وهذا إنجاز يحسب لحكومة أردوغان ، التي عرفت كيف تراوح بين إسلامية المجتمع وعلمانية الدولة، وكيف تعيد تظهير صورة الإسلام والمسلمين في أعين الغرب ، بعد الصورة النمطية التي حاول الحلف الإسرائيلي الأميركي تثبيتها باسم مكافحة الإرهاب، مع عدم التقليل من أثر نشاط القاعدة في إشاعة هذه الصورة المغلوطة، والتي يراد منها تسويغ الإرهاب الإسرائيلي والحروب الأميركية ·