العنف في مجتمعنا ظاهرة تستحق الدراسة
12:00 7-10-2004
آخر تعديل :
الخميس
العنف في مجتمعنا ظاهرة تستحق الدراسة
في صحيفة >الرأي< الصادرة يوم الاربعاء الموافق 22/9 جملة من العناوين اللافتة للانتباه والتي ينبغي عدم المرور عليها مر الكرام، لان فيها من المؤشرات والدلالات الكثير مما يستحق وقفة تأمل وتفكير معمق·
فقد جاء في العناوين >المعالجة المجانية لضحايا العنف الاسري<، >منع العقوبات الجسدية في مراكز الاصلاح<، >الاعتداء على مهندس الرقابة·· باداة حادة<، >وفاة مريض ضرير جراء طعنه في الصدر<، >المريض النفسي المسجون في منزل شقيقه··<·
هذه العناوين، كما فيما مضى نطالعها في صحافتنا لاحداث تقع بعيدا عنا وكانت تثير دهشتنا واستغرابنا واستنكارنا ونرفض تصديق امكانية حدوثها ونعتبرها >كلام جرايد< اما اليوم فهذه العناوين لاحداث تقع بين ظهرانينا، وكلي يقين ان احدا لن يفغر فاه على اتساعه دهشة واستغرابا كما كنا نفعل ايام زمان·
والقاسم المشترك الذي تؤشر اليه العناوين، هو العنف الذي اصبح جزءا من حياتنا، ولم يعد امرا غريبا او بغيضا مشاهده التي تؤذي مشاعرنا وتثير تقززنا بل ان العنف يمارس ويبرر ويدافع عنه ويروج له بشتى الطرق والوسائل سرا وعلنا ودونما خجل او وجل او حرج·
وليس غريبا ان يتغلغل العنف ويقتحم حياتنا ويعتبر عنوانا بارزا كيف لا؟ والجيل الصاعد قد جبل عليه ويعيشه لحظة بلحظة، واصبح القاعدة لا الاستثناء، ونضطر كاباء ان نخوض صراعا مريرا مع اطفالنا في محاولة بائسة ويائسة لثنيهم عن مشاهدة العنف وممارسته·
ولعل اخطر ما في المسألة ان العنف دخل بيوتنا من اوسع الابواب ويعيش ويعشش معنا وفينا ورغم انوفنا، فالطفلة ابنة الاحد عشر عاما تستمتع ايما استمتاع بالمصارعة الحرة على الطريقة الاميركية ولا تزعجها دماء >الثيران< المنسكبة من اجساد المصارعين على الحلبة، وتفرح كلما امسك >كيفن< بطلها المحبوب بزمار رقبة خصمه موجها له ضربته القاضية المشهورة ليطيح به ارضا كشاة ذبيحة، وهديل ابنة الخمس سنوات لم تعد تستهويها افلام الكرتون وخطفتها قناة الافلام بما تبثه من مشاهد قتل وسفك دماء يتابعها سيف ابن الاربع سنوات من تحت اللحاف وقد بدأ يعتاد ويدمن هذه المشاهد وقريبا سيخرج من تحت اللحاف ليتابعها بشغف مثل شقيقاته·
وهكذا، فاننا اصبحنا وجها لوجه امام جيل يعيش حالة العنف في كل مكان حوله وحتى داخل بيته، ولا غرابة بعد ذلك ان يمارس العنف وتتسع دوائره وتضرب جذوره عميقا في مجتمعنا فلا يعود العنف مستنكرا ولا مستهجنا او مرفوضا·
وهنا بالتحديد مكمن الخطر، ان يصبح العنف مباحا ومتاحا ومقبولا، وان يصبح عنوانا بارزا ليس في صحافتنا فحسب وانما في مجمل حياتنا ومسيرة مجتمعنا الاردني، وهذه مصيبة ينبغي التصدي لها قبل ان تستفحل ويصبح تلافيها متعذرا ومكلفا وربما مستحيلا·
واعتقد انه قد آن الاوان لان نتوقف مطولا عند ظاهرة العنف المتفشي باشكال عدة وعلى اكثر من صعيد وندرس اسبابها ونغوص عميقا لادراك جذورها لاستئصالها والعودة بمجتمعنا الى حالة الاستقرار الاجتماعي التي طالما نعمنا بها، وليظل المجتمع الاردني كما عهدناه دائما مجتمع الفضيلة والاخاء والمساواة والصفاء وواحة امن ورخاء وباغضا لكل اشكال العنف والوانه ومصادره·
واذ نقرع الجرس، فاننا نأمل ان يكون هناك مجيب، فهل من مجيب؟؟