التجربة الاسلامية والديمقراطية في تركيا

التجربة الاسلامية والديمقراطية في تركيا

عملياً تركيا محكومة بالعسكر الذين يقفون بتركيا عند خط احمر يسمونه العلمانية. سياسياً تركيا يحكمها حزب اسلامي يملك الاغلبية البرلمانية، وهو يحاول ان يجعل من الديمقراطية والبعد الاسلامي قصة نجاح في آن معاً. خطوط التماس والتجاذب مفتوحة بين العلمانيين والاسلاميين وكذلك القضايا التي تحتمل الاختلاف من الحجاب الى المرأة الى الاقتراب المتزايد نحو العالم الاسلامي والابتعاد التدريجي عن اسرائيل فضلا عن تمييز المصالح التركية عن المصالح الاميركية في العراق. التجربة التركية ليست سهلة ولا مأمونة كما تدل التجارب السابقة ولكن القراءة الاولية لتوجهات الحكومة التركية الحالية تبين التوجه الايجابي للسياسة التركية في النهج الجديد. تركيا الاسلامية المتعايشة مع العلمانية التي يحميها العسكر وجدت تناقضاً في التحالف المبالغ به مع اسرائيل على حساب علاقاتها ومصالحها مع العرب والمسلمين، امتدادها التاريخي والثقافي الذي لا يمكن تغييره. تركياً الحديثة معنية بالخروج من عقدة المرحلة العثمانية ومراراتها وترى ان الاسواق والتواصل الثقافي والانساني والاقتصادي عنصر قوة لتركيا يفوق في قيمته التكنولوجيا والصواريخ والخدمات العسكرية التي تقدمها اسرائيل لتركيا، ولهذا اختارت تركيا اعادة تنظيم علاقاتها مع جوارها العربي وجوارها المسلم فخطت خطوات ايجابية باتجاه سورية ومصر ولبنان والشمال الافريقي لتعظيم المصالح الاقتصادية والتعاون الامني والثقافي بينها وبين دول الجوار. وفي العراق لم تسمح تركيا للجيوش الغازية ان تمر من اراضيها واتخذت موقفاً من تزايد النفوذ الاسرائيلي في شمال العراق، وطالبت بوحدة اراضي وشعب العراق وفتحت باب التعاون الاقتصادي مع العراق على مصراعيه، رغم انها لا تخفي مصالحها الحيوية في الشمال العراقي. وفي الجانب الغربي من حدودها اعادت تركيا تنظيم علاقاتها مع اليونان وفتحت افاقاً للتفاهم مع اليونان بعيداً عن الخوف والصراع. كما ابدت موقفاً مرناً من قضية وحدة شقي قبرص كشف الموقف المتعنت للقبارصة اليونانيين وخففت الضغط عن الموقف التركي. وفي الجانب الاوروبي صعدت تركيا حملتها لدخول الاتحاد الاوروبي واعادت تنظيم امورها وقوانينها الداخلية لمواجهة الاستحقاق الاوروبي رغم المقاومة الاوروبية الشديدة لدمج تركيا المسلمة في اوروبا. وفي الجانب الاسلامي طرحت تركيا نموذجاً اسلامياً منفتحاً في الداخل قادر على التعامل بمرونة مع التعددية المخالفة دون عزلها او ادانتها. وتعاملت مع الديمقراطية ليس على انها شورى مغلقة محصورة بالمؤمنين وحدهم، بل شورى وتعاون مع اولئك الذين يملكون افكاراً تلتقي في النهاية مع المصالح العامة للوطن والامة. وهو الامر الذي اعجز الاحزاب الاسلامية التي حازت على اغلبية برلمانية في الساحة الاسلامية واغرى بعضها بأن الشورى الاسلامية شورى من لون واحد، حدها الفاصل انه من ليس معنا ضدنا، مما ينافي منطق العصر والديمقراطية المحدثة في بلاد المسلمين. وقد سعت تركيا الى رئاسة المؤتمر الاسلامي وحازت موقعاً رفيعاً فيه تقديراً لتوجهها الايجابي تجاه جوارها المسلم وتجربتها السياسية. يقودنا ذلك الى حقيقة مهمة انه ليس بالضرورة ان يخرج الاسلام عن ثوابته ليكون ديمقراطياً فثوابت الايمان والعقيدة والاخلاق لا خلاف حولها. ولكن هناك كثير من الامور الفرعية المتصلة بادارة الحياة ومتغيرات العصر يمكن التكيف معها. يمكن طرح الاسلام المعتدل والمنفتح والملتزم اخلاقياً كنموذج يصلح للمقارنة مع انماط السلوك السياسي والاخلاقي للاطراف الاخرى. ويحتاج الامر على صعوبته الى اجتهاد ودبلوماسية وعدم الحكم على الاشياء والمواقف بحرفية النصوص والتفاسير السالفة التي قد تصلح لزمانها ولا تقوى احيانا على استيعاب المستجدات في زماننا. تركيا قد تخدم قضية الديمقراطية في الاسلام بما تقدمه من نموذج مرن وقابل للنجاح. الانتخابات آلية مهمة في الديمقراطية ولكن تطوير المفاهيم والوعي وفهم العصر ورسم الاولويات والتخلي عن اسلوب رفض وتكفير الاخر وطرح النموذج الاصلح في السلوك السياسي والتعامل مع القضايا التي تهم المجتمعات الاسلامية قد يكون المدخل الصحيح لخدمة الشعوب الاسلامية. الحقيقة الثابتة في بلاد المسلمين انه لا يمكن التخلي عن الاسلام بحجة الدخول في ثقافات وايديولوجيات اخرى ولكن يمكن التقدم بالاسلام وبلاد الاسلام باستيعاب مستجدات العلم والثقافة والادارة وضرورات الانفتاح والتعايش السلمي مع العالم ومواكبة العصر الحديث باستيعاب تقنياته وادواته. وما يجري في تركيا تجربة قطعاً تخدم الاسلام والديمقراطية في بلاد المسلمين وتقدم نموذجاً يستحق الاهتمام والدراسة.