رأي عربي - تركيا والفضاء والأوروبي

رأي عربي - تركيا والفضاء والأوروبي

في وقت غير بعيد ، سادت خشية في الأوساط العربية بنشوء حلف تركي إسرائيلي ، حتى أن ملامح هذا الحلف بدأت تتبلور في أثناء حكم أحزاب اليمين والوسط في أنقرة ، وهي التي هزمت جميعها أمام حزب «العدالة والتنمية» قبل أكثر من عامين. الآن يتضح أن الاتجاه الغالب في تركيا رسمياً وشعبياً ، هو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مع معارضة ضئيلة تقل عن 25 بالمئة وتجمع قوميين ومتشددين ونخب عسكرية وبعض البيروقراطيين . ومن المفارقات الإيجابية ، أن ازدياد التوجه نحو أوروبا يحدث في عهد أغلبية حزبية إسلامية ، بما يدلل على أن الاتجاهات الإسلامية المتطرفة تمثل أقلية الأقلية ، وأن أوروبا بدورها لا تأخذ بمنطق صدام الحضارات والثقافات وحتى الأديان ، وهو المنطق الذي يعتمده المحافظون الجمهوريون في واشنطن ، وبعض قوى اليمين المتطرف ، وبدليل التقبل المنفتح لفكرة انضمام تركيا إلى الاتحاد القاري . ولا يعني ذلك أن باب الالتحاق بالاتحاد مفتوح على مصراعيه . فالرأي الأوروبي الغالب هو منح تركيا فرصة الانضمام المتدرج إلى هيئات ومؤسات الاتحاد، واكتمال شروط العضوية المعروفة مثل الموقف من الإقليات (والمقصود هنا بالذت الأكراد) وتكريس دولة الحق والقانون وإصلاح أوضاع السجون، وضمان استقلال القضاء واقتصاد السوق . وهناك إلى ذلك ما يعتبره بعض الأوروبين محاذير ، بعضها اقتصادي من قبيل الخشية من إغراق أوروبا بالمنتوجات الزراعية التركية ، ومنها ما يتصل بالخوف من تدفق المهاجرين الأتراك من القوى العاملة ، إلى الدول الصناعية المتقدمة كألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا. وهناك الحذر من التوازن الديمغرافي، حيث أن نسبة التمثيل في البرلمان الأوروبي تستند إلى عدد السكان في كل بلد عضو . وهناك عند بعض المحافظين في أوروبا وهم أقلية ، الخوف المستتر من انضمام بلد ذي أغلبية إسلامية وبتعداد سكان يبلغ نحو ثمانين مليون نسمة مع نسبة خصوبة عالية . بما قد «يمس» الطابع الثقافي _ الحضاري ومعه الديني للمجموعة الأوروبية ، ومن المعلوم أن الفاتيكان مثلاً يصر من جهته على الطابع المسيحي للاتحاد ، خلافاً لرأي الأغلبية من الرأي العام الأوروبي . وعلى بعض هذه التحفظات يرد الأتراك ، بأن الطابع العلماني للدولة والمجتمع ، قد تكرس منذ ثلاثة أرباع القرن ، على يد كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية ، وان هذا المنحى يجمع تركيا مع أوروبا بصورة حاسمة . وأوضح دليل على ذلك ان الحزب الإسلامي الحاكم ، أثبت تمسكه الحازم بهذا المنحى، فكيف بالاتجاهات السياسية والحزبية والفكرية الأخرى . مع التذكير بأن المسعى التركي للانضمام إلى المجموعة الأوروبية يعود إلى فترة طويلة سابقة ، وإلى أواخر الخمسينات من القرن الماضي ، مع طلب الانضمام إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية ، وما تلا ذلك من توسع اتفاق الشراكة، ثم الوحدة الجمركية في وقت لاحق ، ومعنى ذلك أن الخيار التركي في هذا الاتجاه محسوم ، وأن على أوروبا أن تحسم الأمر من جهتها ، وأن تقر بالحقائق الجغرافية والتاريخية التي تجعل من تركيا بلداً أوروبياً كغيره من بلدان المجموعة الـ25 . ويذكر في هذا الصدد أن اللجنة الأوروبية المكلفة بمراجعة الملف التركي، وتأهيلها للانضمام سوف تصدر تقريرها اليوم الاربعاء ، وهو ما سيكون محور اهتمام القمة الأوروبية في ديسمبر المقبل .