مرضى الكمال - غيداء درويش
12:00 4-10-2004
آخر تعديل :
الاثنين
مرضى الكمال - غيداء درويش
واسميهم مرضى لانهم يعاندون الحياة المبنية على الكمال، وعلى العوج، وعلى الشذوذ، لبيئة اساسها التنوع والتباين والاختلاف.
كم هم اشقياء اولئك «المثاليون» الـ(Perfectionist) الذين يطلبون الكمال في كل شيء فيتعبون ويُتعبون لا يؤمنون بأنصاف الحلول، وارباع الاشياء واشباه الاشخاص، ينتقدون الاخطاء اينما وجدت، ويُنصّبون انفسهم قضاة على انفسهم اولا فيزجرونها بعنف ويحاسبونها بدقة، اذا عملوا عملا عليه ان يكون متقنا حد الكمال ولو على حساب صحتهم او نفسيتهم، واذا صادقوا يتفانون في الصداقة، واذا قرأوا فبتمعن واتقان.. واذا تحدثوا فلكي ينشروا المعرفة حولهم.. لا قدرة لهم على جرح احد ولو بوردة بل يتحملون الطعنات بسكاكين النقد والزجر فيدفعون بذلك ضريبة كمالهم.
ينظرون الى الحياة نظرة جدية، خائفين مرعوبين من شيء ما في داخلهم يرفع عليهم عصا التأنيب ان هم انحرفوا قليلا عن مسارهم، وما يرونه انحرافا قد يجده الاخرون نجاحا.
يرسمون لأنفسهم مدينة فاضلة كل بشرها من فئة الخمسة نجوم ناسين متناسين ان التنوع في البشر وفي آرائهم من سمات الحياة، والمثل الشعبي يقول «لولا اختلاف الاذواق ما بيعت البضائع» كذلك يتناسون ايضا ان الفوضى العارمة هي من سمات المدينة والمدينة والمدنية المعاشة حاليا.
هؤلاء «المثاليون» يصعب عليهم اتخاذ القرار خوفا من الفشل فتراهم دائما مترددين، جزعين، ينظرون الى العالم من حولهم من برجهم العاجي، فلا قدرة لهم على العيش في هذا العالم المشوه، ولا طاقة لهم بتحمل وحدتهم وغربتهم، وعلى الرغم من صواب افكارهم وتحليلهم المميز لادبيات الحياة وسلوكها الا انه يصعب العيش مع هؤلاء في الازمنة التي تتصدرها القيم ويتوجها الخلق، فكيف سيعيشون اذن في زمن الفوضى العارمة وانفلات الامور من عقالها؟؟
هؤلاء «المثاليون» يعيشون حياة صعبة ينظرون حولهم بتحسر والم على هذا الذي يجري حولهم اجتماعيا كان ام اقتصاديا ام سياسيا، لا يجرأون على الكلام، يلجأون الى الصمت، العين ترى واللسان صامت، لانهم لو تكلموا او نصحوا او ارشدوا، او وعظوا او انتقدوا او حاسبوا سيعلمون مسبقا ان كل هذا سيذهب هباء لذلك ينتحرون بالصمت.
ان ما يتعس هؤلاء المثاليين ارتفاع حاد في الاحساس المرهف، وتيقّظ للكرامة الانسانية وتمسك بالمثل البدوي الذي يقول «إن رَبْعك جنّوا عقلك ما بينفعك».