رأي عربي - كيري وبوش: أين يفترقان؟ - محمود الريماوي

رأي عربي - كيري وبوش: أين يفترقان؟ - محمود الريماوي

هناك مشكلة طريفة تشهدها الحياة الحزبية ، فخلافاً لقضايا جدية مثل مسألة تمويل الأحزاب، أو وضع قانون جيد لهذه التنظيمات السياسية، أو السعي لدمج الأحزاب المتشابهة ، ومنحها فرصاً أكبر للعمل والتحرك وفقاً للقوانين .. خلافاً لذلك كله، فإن أحد الأحزاب يرى أن حاجته الماسة تكمن في افتتاح مكتب له في الخارج ، وفي بيروت تحديداً وبصفة مكتب إعلامي. ومن يسمع بهذا التوجه ، يخيل له أن الحزب المذكور وهو حزب حركة دعاء ، قد أوفى قسطه في الانتشار داخل حدود المملكة ، وأن مكاتبه وفروعه قد بلغت أقاصي الأرياف والبوادي ، وأنه بات يضيق بالأعداد الهائلة من الأعضاء والمحازبين ، وأنه وبعد أن أدى دوره في تلبية حاجات الشارع المحلي ، فإنه لم يعد أمامه سوى التطلع إلى آفاق أرحب، وإلى «أسواق» جديدة في الخارج تستوعب «المنتوجات»، وإلى جمهور إضافي متعطش لتلقي خطابات من نمط جديد ، مثل الجمهور اللبناني. ليس المقصود بالملاحظة، إثارة السخرية من قريب أو بعيد وإنما طرح تساؤلات. فالأحزاب قد تنشط في الخارج،إذا كان يحظر عليها العمل بغير حق في مواطنها، بحيث تستخدم الخارج لمخاطبة الداخل . ولم تجر العادة بفتح مكاتب خارجية للأحزاب ، حتى لو وصفت بانها مكاتب إعلامية ، فذلك ليس من طبيعة العمل الحزبي الذي يتركز إطار عمله وتحركه على الداخل ، باستثناء الظاهرة القديمة من الأحزاب العابرة للحدود من قومية وإسلامية، وقد ثبت فشل هذه التجربة، إذ تتعرض الأحزاب المقصودة لتأثيرات متضاربة، وتفشل في تعيين جمهورها الذي تخاطبه وفي تحديد مهماتها بصورة واضحة. وهذه الظاهرة في سبيلها إلى الانقضاء بعدما تبينت نتائجها السلبية ، ولا يعني ذلك أن التنظيمات السياسية يجب أن تكون بغير أفق قومي أو إسلامي أو يساري. ولكن الفيصل يبقى في بلورة مهام وبرامج وطنية ، نلتقي في النهاية مع التطلعات الاسترايجية بعيدة المدى ، وهناك أطر مقبولة للالتقاء والتشاور كمؤتمرات الأحزاب التي تستضيف أحزاباً شقيقة ، أو المؤتمر الجامع للأحزاب العربية (وهو إطار قائم ) ، أو تبادل الخبرات عبر تبادل الأدبيات والمطبوعات وسواها. أما المكاتب الإعلامية، فقد باتت بدورها صيغة تقليدية عفا عليها الزمن ، في ظل توافر وسائل الاتصال الحديثة، التي توفر تواصلاً سهلاً وفورياً مع المنابر الإعلامية ، في كل مكان في العالم تقريباً . وهي صيغة كانت تعتمدها حركات التحرر وبعض الأحزاب المعارضة في الخمسينات والستينات والسبعينات، وكانت تتأثر بدورها بأجواء الحرب الباردة، بما في ذلك « الحرب العربية الباردة » ، وفي زمن كانت فيه وسائل الإعلام تقتصر على الإذاعات والقليل من الصحف والمحطات التلفزيونية . أما الآن فهناك إغراق إعلامي يقابله إغراق مماثل في المواقع الإلكترونية على الإنترنت . وإذ توفر هذه الفرص حلولاً لبعض المشاكل، فإنها أثارت مشاكل في القدرة على المتابعة. ومن اللافت بعدئذ أن الحزب الذي تقدم بالطلب يفتقد إلى منابر خاصة به يخاطب عبرها الجمهور الأردني . فكيف يتفق أن يفتقد حزب إلى حضور إعلامي في موطنه ، وأن يسعى في الوقت ذاته لاتخاذ منبر إعلامي له في الخارج ؟. أليس في هذا الأمر ما يبعث على الدهشة والتأمل ؟.