غاندي في ذكرى مولده الـ 135 .. الدروس والعبر؟؟ -بقلم: أ.د. فيصل الرفوع

غاندي في ذكرى مولده الـ 135 .. الدروس والعبر؟؟ -بقلم: أ.د. فيصل الرفوع

صادف الثاني من اكتوبر 2004 ذكرى مولد المهاتما غاندي المائة وخمس وثلاثون حيث ولد في 2/10/1869 وغاندي يعني المسيرة التاريخية الوطنية المشرفة للقائد التاريخي، وهو صانع الهوية الوطنية للهند في عصرها الحديث. لقد ساهم الرجل في بناء وطنه وتأكيد هوية امته وتأسيس دولته، ووصل الى معظم - بل كل - الآمال التي يطمح اي منتم الى شعبه وامته ان يحققها بسياسة اللاعنف والتأكيد على الاعتزاز بالانتماء الى ارض الهند، وتعزيز الجوامع المشتركة بين شعب الهند، وتقليص الفوارق والاختلافات، خاصة العرقية والمذهبية والدينية والعقيدية، بين مئات الملايين من فقراء الهند. بل وساهم هذا الزعيم بتعظيم الارض الهندية وانتاجها، حيث عزز احترام المنتج الوطني والاعتزاز به بالرغم من المحاولات الاستعمارية لجعل مئات الملايين من المسحوقين الهنود يعتمدون في غذائهم وكسائهم على مخلفات الارض الغربية وما تنتجه مصانع النسيج في مانشستر وغيرها، ويحضرني قول مأثور له «لا خير في امة تأكل مما لا تزرع وترتدي مما لا تحيك .. ». وقد مارس هذا الرجل المفهوم الحقيقي للديمقراطية بأبهى واجل صورها، وعاش زاهداً في الجاه والسلطة والسلطان، حيث لم يطمح الى رئاسة او زعامة مفروضة او استغلال لحب وولاء الجماهير له، بل جير كل ذلك للهند، الارض والتاريخ والحضارة والمستقبل. لقد ساهم هذا الرجل - بالاضافة الى محمد علي جناح ونهرو وغيرهم -، والذي قضى نحبه قبل اكثر من خمسة وخمسين عاماً في 30/1/1948، في وصول الهند الى استقلالها من اعتى انواع الاستعمار، وها هي الهند اليوم لاعب رئيسي وفاعل في النظام الدولي الراهن. لقد عشت فترة طويلة في الهند، جاوزت الست سنوات، تعرفت من خلالها على مكنونات الحضارة الهندية ولمست عمق الانتماء القومي للشعب الهندي، بالرغم من الاختلافات العرقية والمذهبية والدينية والعقيدية بينهم، ولا اكتمك القول - اخي العربي - انني كنت احياناً اخجل من نفسي كعربي حينما كنت اقارن بين عظمة الوحدة الهندية بالرغم من عشرات المبررات لتمزقها وبين الواقع المؤلم للتمزق والفرقة العربية بالرغم من مئات الاسباب والمبررات التي تفرض الوحدة والتوحد على الوجود العربي .. لكن ؟؟ لقد استفاد العديد من الشعوب من التجربة الغاندية في القيادة وصناعة النصر وبأقل الخسائر، لأن الامم والشعوب والحضارات تتعلم وتستفيد من تجارب بعضها البعض، فلا احد يستطيع ان ينكر التفاعل الحضاري بين حضارتنا العربية الاسلامية وباقي الحضارات الاخرى، خاصة الحضارتين الرومانية والفارسية، وهذا مؤشر دامغ على ان حضارة امتنا العربية وديننا الاسلامي لا يحجب عنا التواصل والاستفادة والافادة مع ومن القيم والعادات والتقاليد والاعمال المشرفة للأوطان وللقادة الاخرين، لقد كان هذا الرجل، اعني غاندي، مناصراً قوياً لحق الشعوب المضطهدة في السيادة والتحرر، فقد كان غاندي مناصراً للحق العربي في فلسطين والجزائر والخليج العربي، وكان متعاطفاً مع نضال الشعب العربي في شتى اقطاره من اجل الحرية وتقرير المصير، حيث كان رأيه فيما يتعلق بالصراع العربي - الصهيوني، بأنه صراع بين الحق العربي - الفلسطيني والباطل الاستعماري - الصهيوني، واكد على ذلك بقوله «ان فلسطين هي للفلسطينيين، كما ان الهند هي للهنود وبريطانيا هي للبريطانيين..»، وبالتالي كان داعماً للحق العربي في فلسطين. ان جملة الافكار التي تبناها غاندي آنذاك كانت نوعاً من الاستشراف ومن النظرة المستقبلية الى الغد، لقد خطا الى العولمة قبل ان نخطو اليها بعقود طويلة. لقد نادى في معظم افكاره بالعولمة وبالانفتاح الاقتصادي والتواصل بين الحضارات والشعوب،. وبالاخوة الانسانية ونهج اللاعنف في العلاقات الانسانية والدولية، وكانت هذه الدعوات الاستشرافية للمستقبل، نابعة من ايمان مطلق بها وتمثل بعد نظر حصيف ونظرة استشرافية واثقة للمستقبل، وبالتأكيد فان ما امن به هذا الرجل من مفهوم للعولمة والحرية والمساواة والتواصل الحضاري والقيمي والانسان بين الامم والشعوب يختلف تماماً عما ينادي به النظام الدولي القديم - الجديد، والذي تشكل بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وتراجع دوره، وتفرد الولايات المتحدة كقطب واحد في قيادة العالم وتقرير مصيره. لقد اطلعت علي وقرأت، اثناء اقامتي في الهند، معظم ادبياته، وتتبعت مسيرته الحياتية والنضالية، وسنحت لي الفرصة لزيارة البيت الذي عاش به وترعرع واكتشفت، اسوة بغيري، بأن هذا الرجل ما زال له حضور في الوجدان الهندي بل والعالمي خاصة فيما يسمى بالعالم الثالث، لقد مثل نموذجاً في التسامح والمبدأية في تقبل الطرف الآخر والايمان بحرية الحوار، وهي مبادىء ما احوجنا نحن العرب اليها .. !! alrfouh@hotmail.com