من مساوىء «العولمة» التي يشهدها عصرنا الحاضر انها باتت تفرز اعلاما يزيف الحقائق، ويكرس الاستبداد، ويلغي «العقلانية» بعبارة اخرى، فان هذا الاعلام موظف لخدمة المصالح الايدولوجية التي لا يهمها العمل على تسريع التنمية الانسانية، ورفع سوية المجتمعات الفقيرة.
وعليه، فان عملية «غسل الادمغة» تغدو مهمة اولى يحرص عليها اعلام عصر «العولمة».. وانسجاما مع هذه المهمة، تُغيب الحقائق، ويُعلب «الوعي» ويجهض العامل الثقافي والتربوي، ويتراجع قسرا كل ما هو «انساني»!
اما السبب، فهو -كما اسلفت- خدمة المصالح الامبريالية من خلال طمس كل ما هو عقلاني، وتسييد كل ما هو خرافي او تلفيقي..! ولنأخذ -على سبيل المثال- الاعلام في المجتمعات النامية بصورة عامة.. هل هو اعلام مستقل حقا.. تعنيه مقاربة «الحقائق..؟ هل هو اعلام يُثري ذات الانسان ام يُسطحها ويجوفها؟ هل هو يكشف الواقع، ام يعتم عليه، انسجاما مع هذه الايديولوجية او تلك..؟ هل هو اعلام محكوم حقا بمعطيات الواقع، ام انه مجرد صدى لصوت السلطة الحاكمة..؟ في تصوري، انه لم يرتق الى طموحات الانسان العادي الذي ما زال محروما من ابسط مقومات الحياة.. والسبب في ذلك انه اعلام محروم من الحرية والاستقلالية.. لا يستطيع ان يتمرد على الوصاية السلطوية، لبعض الانظمة وان حدث مرة وتمرد قُمع، وعوقب من أخلوا بالمعادلة..!
الاعلام في المجتمعات النامية -ومنها مجتمعاتنا العربية- بات صناعة تلوي عنق «الواقع» وفق مفرداتها الايدولوجية.. دون ان تضع في الحسبان رؤية «الجماهير» وموقفها من هذا «الواقع»! ويخطىء من يعتقد ان «لهاث» الرأسمالية وبعض الانظمة الحاكمة وراء توسيع رقعة الصناعة الاعلامية هدفه خدمة الوعي الاجتماعي، والاقتراب من عالم «الحقائق» العكس هو الصحيح، فالهدف هو تسطيح الوعي وطمس اية رؤية نقدية والتحايل على مفردات «المعرفة» الحقيقية..!
الهدف هو «تقديس» الكلمة «الرسمية» التي يضخها الاعلام الرسمي المؤدلج في هذا البلد اوذاك، باعتبارها هي الفيصل بين الحقيقة والوهم، وحتى يتم ذلك فلا بأس من تجنيد بعض الاعلاميين الذين لهم خبرة وباع طويل في اجادة اللعب على التناقضات، ومن ثم استثمارهم لصالح بعض الطبقات الحاكمة.
ما نراه في المجتمعات النامية مثير للاسى والخيبة، ثمة تهريب للناس من واقعهم المأزوم.. وما هذه البرامج الترفيهية التي تعرضها بعض الفضائيات العربية والتي لا تخلو من هبوط واسفاف، الا صورة بائسة لهذا «التهريب»..!
واتساءل هنا: هل مخاطبة «الغرائز» الجنسية وغير الجنسية عبر مثل هذه الفضائيات يُسهم في خلق وعي اجتماعي رشيد!! هل «الاثارة» الاعلامية نهج موضوعي للارتقاء بأفق معرفة الانسان ام انها -وهذا ما أراه- وسيلة مقصودة لابتزاز «الوعي» وتدميره..!! اجزم ان ذلك هدفه «التدمير» ليس الا! وعلينا هنا ان ندرك ان الحاجة للاعلام في عصر «العولمة» باتت تعادل الحاجة لارقى انواع «الاسلحة المستخدمة في الحروب»..!
انك حتى تبرر حربا غير مشروعة، تشن بلا شرعية دولية، عليك ان تُسخر لها اعلاما يضخ الاكاذيب والافتراءات، ويُبشر بمستقبل واعد للشعوب..! ان ضخ هذه الاكاذيب والافتراءات وتكرار ذلك مرارا، قد ينسي الحقيقة الاصلية.. وهذا ما قاله ذات مرة -جون فوستر دلاس- وزير خارجية اميركا الاسبق! ان ما يهدف اليه هذا الاعلام هو التبشير بفضائل «الرأسمالية» التي -على حد زعمه- حريصة على نشر «الديمقراطية» والقضاء على «الاستبداد» في الارض..!
يقول روجيه غارودي في احدى مؤلفاته:
«..فلسفة الاعلام الغربية يهمها الاثارة والتحريض.. انها تُغري المشاهدين بالالعاب والمسابقات التلفزيونية التي تثير لدى المشاهدين شهية المال.. في حين تجعلهم يتأملون كوارث العالم بغباء..»
«من كتابه: الهدامون»
وبعد، اننا في المجتمعات النامية، بحاجة الى وقفة نزيهة مع النفس.. وقفة تقرب بين الشرائح الاجتماعية، وترفع عن «الجماهير» سيف الاستبداد المسلط عليها.. وقفة تعيد للفعل الثقافي دوره في ترشيد وعي الانسان، فلا تعود وسائل تسطيح الوعي قادرة على محاصرته وابتزازه «وجعلنا نتأمل كوارث العالم بغباء»!
وفي هذا السياق، يقول الفيلسوف العالمي ماركيوز، صاحب كتاب «انسان البُعد الواحد»: «ان عقلية الانسان الحديث الفاسدة، تسمح له ان يقبل، من دون احتجاج على الاستعداد لحرب نووية، الاعلانات التجارية الكاذبة المبتذلة.. والعجيب ان المثقفين لا يقلون تأثرا بهذه العملية عن بقية افراد المجتمع، ان الانسان التقليدي في المجتمع الحديث «ذو بعد واحد» يتبع نمط فكر وسلوك ذا بعد واحد.. اما البعد المفقود، فهو الوعي النقدي».
(انظر كتاب: اليسار الجديد.. تحرير موريس كرانستون - دار النهار ص 88)
والى ان يسود «الوعي النقدي» عالمنا، ويتحرر الاعلام فيه من الهيمنة الامبريالية، ستظل «شروط اللعبة» -كما يقول ماركيوز- مفروضة علينا..!
اما الكاتب المصري الكبير محمود العالم فيقول في «العولمة» التي باتت تُزيف الكثير من الحقائق مستغلة في ذلك الاعلام بكافة وسائله: «..لقد امتدت (العولمة) الى كل شيء، تطمس وتنمط وتوحد افكارنا، مشاعرنا، احاسيسنا، ضمائرنا، قيمنا، اذواقنا، مشاربنا، مطاعمنا، اثوابنا، تطلعاتنا، مباهجنا، مآسينا، منجزاتنا، مشاكلنا، انتصاراتنا، هزائمنا، كلماتنا في الحب وطرقنا الى الموت.. ليست العولمة في النهاية الا سوقا موحدة لتهيمن عليها طائفة قليلة منهم يتاجرون فيها بالاقوات والقيم واقدار البشر».
(محمود العالم: جدل البدايات والنهايات - ص4)