لم تكد تكمل عامها الاول حتى وصلت قناة «الحرة» الى مأزق خطير استدعى ليس فقط الاعتراف به من قبل المتحدث باسم لجنة الخارجية في الكونغرس مارك هالمكي بالصعوبات التي تواجهها هذه القناة الممولة من قبل الكونغرس بل وأيضا الى ضرورة القيام بتغييرات في طاقم القناة!
الأمر لا يثير الدهشة في صفوف العامة من الشعوب العربية الذين أشاحوا بوجوههم عن هذه القناة التي انطلقت في عز الهجمة الاميركية الضارية على العرب والمسلمين والتي اتخذت منحى ايديولوجيا واستراتيجيا استهدف اعادة رسم خريطة المنطقة تحت شعارات ثبت بطلانها بل وتواترت الاعترافات بأن الحجج تم اختلاقها وقد وجدوا بعض المروجين الذين راحوا يبشرون بالعصر الاميركي الجديد فاخترعوا إذاعة «سوا» التي لم تنجح في استقطاب حتى اكثر الشباب الذين لا يخفون اعجابهم بالنموذج الاميركي بل ويرى بعضهم ان الحلم الاميركي يمكن ان يكون معبرا عن بعض طموحاته لكن المسألة اكبر من ذلك بكثير واكثر خطورة من مجرد الاعجاب بكل ما هو اميركي لأن مشروع المحافظين الجدد يستهدف استئصال روح الامة وكسر ارادتها وتذويب هويتها فجاءت الفكرة الثالثة بعد اصدار مجلة شبابية كانت ترجمة مكتوبة بائسة لاذاعة سوا وتهويماتها فخرج علينا موفق حرب الاعلامي اللبناني ببشارة ولادة «الحرة» التي ستكون فتحا في الفضائيات الناطقة بالعربية والتي لن تكون في كل الاحوال بوقا للسياسة الاميركية بل ستمضي قدما في طريق الموضوعية والمهنية العالية واحترام التعددية ولمثل المشاهد العربي الذي سيكون هو هدفها في اقناعه بأن الولايات المتحدة ليست عدوا للعرب والمسلمين..
سقطت الحرة بعد أن كشفت عن وجهها الحقيقي ونزعت قناعها الليبرالي عندما حصرت بثها في ترديد الخطاب الاميركي الرسمي والتصريحات الاسرائيلية وكل ما يفتح على الغاء عقل المشاهد العربي واعتباره قاصرا عن فهم ابعاد عملية تحرير الاخبار وصياغتها المكرسة لتبرير العدوان الاميركي الاسرائيلي على العراقيين والفلسطينيين والحط من القيم الحضارية والانسانية والاصلاحية للدين الاسلامي وللمسلمين ناهيك عن نوعية البرامج السخيفة والهابطة والمتهافتة التي تبثها المحطة اضافة الى بلادة وجمود ونمطية البرامج الحوارية السياسية وعناوينها واستضافة رهط من المعادين للعرب والمسلمين وتقديمهم على انهم محسوبون على التيار الليبرالي في العالم العربي وانهم معارضون للسياسات الرسمية لبعض الانظمة العربية التي لا ترضى عنها واشنطن..
مجلس امناء الحرة الذي يدير أيضا اذاعة صوت اميركا (التي تبث بـ 44 لغة في العالم) والمكون من هيئة يرأسها اربعة من الجمهوريين واربعة من الديمقراطيين اضافة الى وزير الخارجية كولن باول غير راض عن اداء الحرة وهو يعتزم اطاحة موفق حرب من رئاسة التحرير وتعيين شخص آخر يقال انه سيكون صلاح نجم رئيس تحرير «الجزيرة» السابق ويعمل الان رئيسا لتحرير محطة العربية وعلى رغم دمج الحرة وسوا في شركة واحدة وزعم موفق حرب بأنه تمت ترقيته ليصبح نائب رئيس شبكة الشركة الجديدة المسؤولة عن شبكة «MTN» بأن الحرة محطة شابة تبحث دائما عن الطاقات الاعلامية الشابة إلا ان مجلس الامناء لا يخفي بأن استطلاعات الرأي التي قامت بها هيئات في العالم العربي بشأن الحرة لم تؤشر الى اي نجاح بل افضل الاستطلاعات اعطت صورة «ملتبسة» عن كيفية تلقي المشاهد العربي لقناة الحرة على ما جاء في تقرير صحافي موسع..
كما صوت اميركا وسوا جاء فشل الحرة المأساوي ليؤشر على أن عملية غسيل دماغ المواطن العربي لن يكتب لها النجاح ولم يكن مصير الحرة مختلفا عن مصير الفضائية الاسرائيلية التي لفظت انفاسها مبكرا لأن العلة في السياسات والممارسات وليس في الدعاية او التضليل او الصورة الملونة الزاهية عن الحلم الاميركي والعبقرية الاسرائيلية بل في سيل الدماء المتواصل على ارض فلسطين والعراق وافغانستان دون اي اعتبار للشرعية الدولية او حقوق الانسان او الشراكة القائمة على الاحترام المتبادل بل المطلوب الركوع والخنوع والتسليم بايديولوجية المحافظين الجدد وسياسة القوة والغطرسة والاستكبار.