منذ كان فتىً صغيراً لا يزيد من العمر (12) عاماً كان هشام يانس مستغرقاً في عالمه الخاص الجميل المليء بالسخرية والتمثيل وتقليد الفنانين العرب من مطربين وممثلين.. وأثناء دراسته لمادة التاريخ في جامعة القاهرة لم ينس ان يلتفت قليلاً الى نشاط روحه الأثير وهو (التمثيل) حيث مثّل هناك على خشبة مسرح الاوبرا مسرحية الامريكي (آرثر ميلر) العالمية الشهيرة كلهم أولادي، واحدى المسرحيات للكاتب الانجليزي الساخر (برنارد شو) الرجل القذر، وعدة مسرحيات اخرى.. ويرجع من مصر في العام 1964 لوطنه الأردن ليشتغل في التأليف الدرامي والتمثيل الاذاعي والمسرحي، ثم ليتم تعيينه مخرجاً ومنتجاً في اذاعة عمان. ثم يرحل الى عدة دول بعد ذلك مثل بريطانيا حيث عمل في هيئة الاذاعة البريطانية (بي.بي.سي) حيث قدم نصوصاً تمثيلية اسماها (الرجل الطيب).
وفي ابو ظبي فقد اتيحت له الفرصة لتأسيس اول مسرح مدرسي بدأه بمسرحية (احمد بن ماجد) ومسرحيات اخرى... بعد ذلك يستقر في عمان ويتفرغ للكتابة كمهنة، فيكتب عشرات المسلسلات الاذاعية والتلفزيونية وكان من اهمها مثلاً: تل الفخار، النشامي يا بحر، الكنز، الظاهر بيبرس... الخ.
وكان للفنان المؤلف والممثل والمخرج هشام يانس دور مهم في المسلسل التعليمي العربي الشهير (المناهل) حيث كان كبير الكتاب في هذا المسلسل، كما انه شارك فيه ايضاً كممثل قدير.
وكان الفنان هشام قد عمل ايضاً في كل من امارة ابوظبي ودولة قطر كمراجع للنصوص التلفزيونية ومشرف على المسارح المدرسية هناك.
ويعود يانس الى عمان لينتسب الى رابطة الكتاب الأردنيين ورابطة المسرحيين (نقابة الفنانين الآن) فهو المؤلف والممثل الذي كانت في دواخله قدرات فطرية هائلة على التقليد والمرح والسخرية في الجلسات والسهرات بين الاصدقاء والمعارف (انه فنان مليء بالحماسة والطاقة الفنية الابداعية العظيمة والتي لا تنضب ابداً بل تزداد.. فقد قال ذات مرة:'' لا مانع من ان استغل قدراتي وادواتي الفنية في اعمالي الفنية، فهناك ممثل ادواته الفنية عديدة لكن اهمها قد تكون عينية او حركة شفتية، وهكذا وانا اجيد فن التقليد، فما هو المانع ان استخدم هذا الفن من خلال اعمالي.. والنصوص التي اقدمها بها تقليد للشخصيات، وتقليد الشخصيات ليست بالمسألة السهلة او الهينة بل هي موهبة من الله سبحانه وتعالى، ثم دراسة الشخص الذي اريد تقليده من حيث صوته وحركاته''.
وفي اوائل ثمانينات القرن الماضي يلمع نجم الفنان هشام يانس في عالم الفن الأردني والعربي عبر برنامجه المنوع (ليالي عمان)، حيث قام بأداء مئات الشخصيات حتى النسائية (ولم يتحرج من ذلك) بقالب كوميدي ساخر ممتع للمشاهدين ، حيث تعلقت انظار المشاهدين للتلفاز الاردني بهذا الممثل المذهل في قدراته المتنوعة جداً ومنها مثلاً ايضاً انه قام بتأدية مئات الأغناني العربية والاردنية الشهيرة بأسلوب كوميدي وناقد وذلك عن طريق تغيير بعض كلمات الأغاني مع المحافظة على نفس الالحان القديمة لتلك الاغاني المعروفة عربياً لكل من المطربين صباح، سميرة توفيق ، فريد الاطرش ، محمد عبدالوهاب ، ام كلثوم، محرم فؤاد، سلوى ، اسماعيل خضر، توفيق النمري ، وديع الصافي، محمد عبده، شادية، ناظم الغزالي، صباح فخري... الخ.
بعد ذلك بسنوات تشكلت تلك الظاهرة الفنية الدرامية الثنائية الرائعة ثم الثلاثية فيما بعد.. فقد الّف مع الفنان الكوميدي القدير (نبيل صوالحة) ثنائياً كوميديا بارزاً شهيراً ثم ثلاثياً مع الفنانة القديرة امل الدباس.. حتى اصبحت هذه الفرقة الفنية تسمي مسرحها الكائن في سينما الرينبو في جبل عمان بـ(أهلاً نبيل وهشام).. وقد عرف هذا المسرح ما بين المثقفين وجماهير الناس بالمسرح السياسي الكوميدي الضاحك والهادف ايضاً.
هذا وقد اشتهرت تلك المسرحيات بأنها سياسية جريئة رغم كلامها البسيط والواضح والمباشر احياناً.. إلا انها تحمل كل تلك الاجابات التي ينتظرها المتفرج ومشاهد منطقتنا العربية ومنطقة العالم الثالث.
ومن المعروف ان الفنان المبدع هشام يانس لديه قدرة فائقة بتقليد كبار السياسيين في الشرق الاوسط ، بل وفي العالم ومنهم مثلاً: الملك الحسين، ياسر عرفات، معمر القذافي ، انور السادات، امير الكويت، ابن لادن، جورج بوش، بيل كلينتون وكثيرون اخرون يقلدهم بشكل ممتاز من حيث الصوت والحركات والشكل والملابس ، اما عن اهم مسرحيات هشام يانس سواء كان بالاشتراك مع صديق العمر والفن نديم صوالحة او مع امل الدباس، او بعد الانفصال عن نديم صوالحة نذكر مثلاً: اهلاً برلمان وميزانية، اهلاً نظام عالمي جديد93، اهلاً حكومة، اهلاً مؤتمر قمة عربي.
واخيراً مسرحيته عن اسر رئيس العراق السابق صدام حسين.. حيث قلده بشكل كبير جداً.. لأن هشام يانس فنان معطاء ومتحمس ابداً.. واذكر من مقابلة اجريتها معه قبل (22) عاماً انه قال لي عبر جريدة ''الرأي'': ''الفنون هي غذاء الروح.. ومع الأسف إن مؤسساتنا الثقافية والاعلامية لا تهتم كثيراً الا بالأقوال المشجعة للفن.. اما الافعال فلا.. وان فعلت ففعلها قليل!!
وكان قد اعتاد الفنان هشام وامل الدباس وفريقهم التمثيلي ان يقدموا في كل سنة من شهر رمضان مسرحية كوميدية في احدى فنادق عمان.. ولذلك سبب مهم هو ان شهر رمضان في نظر البعض هو شهر استرخاء واستمتاع بأنواع الطعام.. فكانت الفكرة لماذا لا تمزج هذه المتع بالمتع الدينية، والضحك بالمتعة مع تناول الأطعمة الشهية، اضافة الى المتعة الفكرية من خلال تقديم عمل مسرحي كوميدي.
ولكن مع الأسف فإن رمضان الماضي لم يشهد هذا النشاط المعهود من هشام بسبب طارئ مرضي الم به حيث تمنى له جميع عشاق فنه الشفاء العاجل والذي من بعده سيعود الينا والى فنه العالي القيمة والذي ليس عليه أية رقابة إلا رقابة ضمير الفنانين الأردنيين، فحبهم وغيرتهم على بلدهم الأردن العزيز هو اكبر رقيب لا يجعلهم يخطئون.. بل إن النقد الاجتماعي والسياسي والفكري اللاذع ما هو الا نوع من القاء الضوء على الأخطاء لتصويبها.