رأي عربي- ليس بالانتخابات وحدها.. - محمود الريماوي

رأي عربي- ليس بالانتخابات وحدها.. - محمود الريماوي

الحياة لا تتوقف، واحياناً تشير بعض مظاهرها للتطلع إلى الأمام  فيما تبدو مظاهر أخرى وهي تحمل سمات النكوص إلى الخلف.
وعلى سبيل المثال ورغم المحنة التي يعيشها العراقيون، مع السجال الدموي الدائر على أرضهم بين الجماعات المسلحة المتطرفة (وإن كان بينها قوى وطنية شريفة) وبين قوة الاحتلال الأميركية، رغم ذلك فإن أنباء تتواتر عن تحضيرات داخل «البيت الشيعي» لخوض الانتخابات، المقررة مبدئياً ونظرياً في مطلع العام المقبل.  وقد أريد بإنشاء «البيت الشيعي» تشكيل هيئة جامعة للقوى السياسية وزعامات الطائفة الكبيرة.
أما المجلس الوطني (البرلمان المؤقت) فإنه بدوره يبدي اهتماماً بالغاً بالانتخابات، والاتجاه العام السائد في هذا المجلس هو رفض أي تأجيل لهذا الاستحقاق الوطني، أو قصره على مناطق دون أخرى ، وذلك رداً على بعض التصريحات الصادرة عن مسؤولين في الحكومة المؤقتة ، وكذلك عن مسؤولين أميركيين.
أما الجماعات المتطرفة فهي منهمكة بمهمات وطنية عظيمة ، مثل إحراق آبار النفط واستهداف أساتذة الجامعات، ومن الواضح أن التطلع لإجراء انتخابات عامة برلمانية ورئاسية، يعكس التطلع إلى حياة جديدة ، وإلى إقامة نظام تمثيلي عصري ترتضيه غالبية العراقيين ، باستثناء أولئك الذين لا يضعون أي انتخابات في العالم بما في ذلك داخل العراق، على أجندة اهتماماتهم. وباعتبار ان الوطني وطني بالفطرة، ولا حاجة له أن يحوز على ثقة الناس، أو أن يخوض تنافساً قانونياً مع أحد غيره.
ويتم الآن تداول فكرة عقد مؤتمر «دولي» لدعم خيار الانتخابات العراقية. والفكرة جيدة، لو كان ما ينقص العراقيين يتمثل فقط في تزويدهم بالخبرات اللازمة في هذا المجال، إذ تنقصهم بحق مثل هذه الخبرات بعد ان تم حجب الانتخابات طيلة وأكثر من أربعة عقود ، حيث فوض قادة الانقلابات أنفسهم لتمثيل الشعب، وبصرف النظر عن آراء المجتمع التي تضم شرائح وقيادات و«مذاهب» سياسية شتى.
وواقع الأمر أن ما ينقص العراقيين وما يتطلعون إليه ، هو باختزال شديد: إرساء الأمن وإنهاء الاحتلال . أما تصوير الأمر وكأن الانتخابات وحدها وبحد ذاتها، سوف تفعل مفعول السحر ، فلا يعدو أن يكون تضليلاً للناخبين. وبدلاً من ذلك أو الأصح من ذلك، هو أن يتساوق التحضير للانتخابات مع إحلال الأمن، والمهمة الأخيرة صعبة ومعقدة ، وهي تستلزم توفير بيئة سياسية تستعيد فيها الحكومة المؤقتة ومعها السلطة التشريعية المؤقتة ، خطاب السيادة والاستقلال من خاطفيه. بحيث تتبنى الحكومة ومعها المجلس الوطني خطاب استعادة السيادة الناجزة، ليست مجرد خطاب إعلامي كبرنامج سياسي، يتضمن بنوداً أخرى كإحلال الأمن والشروع في الأعمار والتحضير للانتخابات. وفي القناعة أن هذه هي البيئة السياسية الصالحة، للشروع في وقف المحنة التي يعانيها العراقيون، حيث يذهبون هم وأرزاقهم وأملاكهم، وقوداً للصراع الدموي والأعمى بين الجماعات المتطرفة وقوة الاحتلال ، ولا تغطي على ذلك الشعارات المرفوعة، من قبيل دحر الاحتلال أو إحلال الحرية في بلاد الرافدين، فالعراقيون يعاينون بأعينهم ما يجري من كوارث مروعة باسم تلك الشعارات ، من طرف أولئك الذين يتنازعون على خطف البلد وأهله وثرواته.