جامعة الشرق الاوسط الافتراضية

جامعة الشرق الاوسط الافتراضية

على مدى يومين «20-21/9/2004» نشرت «الرأي» خبرين عن «جامعة الشرق الاوسط الافتراضية» وقد كانت «الرأي»، منذ شهور، قد نشرت خبرا عن الجامعة الاردنية، تبدي رغبتها في انشاء «جامعة افتراضية» وسيكون قسطها السنوي «1000 - 1500» دولار.
والخبر الأخير، يعلن ان الجامعة ستكون شراكة بين عدد من الجامعات العربية وغير العربية، وان قسطها لن «يكون أكثر مما يدفع الطالب» على حد تعبير المسؤول عن الخبر.
وهذه الجامعة قامت على مساعدة من الاتحاد الاوروبي تبلغ «اربعة ملايين يورو» ولا نعلم ان كانت المساعدة ستبقى قائمة ام لا بعد انجاز المشروع.
هذه الجامعة، وبالتكلفة المقترحة «1500» دولار، للطالب الواحد في السنة، ستكون صورة أخرى من الجامعات القائمة، أهلية وحكومية انها اضافة كمية، بتلك التكلفة العالية، وفي غير قدرة الفئات المستهدفة.
والتعبير الذي جاء في «الرأي» على لسان المسؤول عن «الجامعة الافتراضية»، استخدم «الأقل حظا» بدلا من الفئات المستهدفة.
لا أريد ان ادخل في صواب هذا الوصف، حتى لا ابتعد كثيرا، عن القضية في تكلفة هذه الجامعة، المقترحة.
يجب الاعتراف أننا، وعلى مستوى العالم العربي، الذي يزخر بالجامعات، والفضائيات الهائلة، قد قصرنا في تعميم التعليم الجامعي الشعبي، الذي جعلته كل أمم الارض، هدفا تسعى الى تحقيقه، واحتمال تكلفته المادية واعتبار ذلك استثمارا اجتماعيا واقتصاديا، قياما بواجبها نحو شعوبها وحقها في تعليم جامعي، لكل من يريده ويقدر عليه، وفي كل بقعة يظلها علمها وكيانها الوطني.
في روسيا، وفي باكستان، ايران، تركيا والبزرايل والغالبية العظمى من دول العالم، ناميها، ومتقدمها تعمل «الجامعة المفتوحة».
واشهرها جامعة «لندن المفتوحة»، والأمم المتحدة في اقتفاء ذلك النوع من التعليم الشعبي ـ اختارت تايلندا ـ كأفضل جامعة مفتوحة، تقديرا لها في ايصال ذلك الجهد الى كل مكان منها.
و «الجامعة العربية المفتوحة» ولدت آخر تلك الجامعات بعد مخاض عسير.
وجعلت لها فروعا في بعض البلاد العربية، وجاءت تكلفة الدراسة بها كالجامعات القائمة «45» دولارا تقريبا للساعة الواحدة ان وهكذا فإنها، ايضا اضافة كمية للجامعات القائمة وليست اضافة نوعية لتعليم شعبي في قدرة الفئات الموجه اليها، هذا النوع من اسلوب التعليم.
ولم يستمع احد لكل الاعتراضات التي اثيرت، خاصة في مصر وبقي الخلاف طي الكتمان واجيزت الجامعة بعد ان قدمت مصر فكرة «جامعة مصر المفتوحة» وكل ذلك لاسباب خاصة لا داعي لذكرها.
وفي دراسة نشرتها الاهرام المصرية، فإن بعض الجامعات المفتوحة، كما في كوريا، تدفع لطلابها الاغراءات المادية لجذبهم الى الانتساب لها.
وتفعل ذلك جزئيا بعض الدول مثل ايران وتركيا.
والجامعة المفتوحة، إنما توجه الى الفلاحين في قراهم وربات البيوت والعمال في مصانعهم والمعلمين في مدارسهم، وكل من لم تسعفه ظروفه في اكمال تعليمه الجامعي، ولذلك جعلت تكلفتها في متناول دخول تلك الفئات وليست مبالغ باهظة يعجز الطالب حتى عن تصورها ويعلن انها غير ربحية ايضا.
واليوم، اصبحت «الجامعة الافتراضية» احدى وسائل التعليم والتعلم وهي آخر صيحة في التعليم عن بعد.
وما جعل مثل هذه الفكرة امرا ممكنا الا الانترنت والحاسوب ووسائل تخزين واستدعاء المعلومات والفضائيات التي يصل منها الى كل مكان ناء وقدرة الحاسوب على محاكاة المواقف التعليمية وانتاج الوسائل الموضحة وحتى تشريح الجسم البشري والفحص في أعماقه وعرض مكوناته بأسلوب واضح يكاد ان يضاهي او يزيد عن المواقف المادية المشاهدة في المختبر الجامعي في افضل تجهيزاته وأدائه.
لقد صار تعليم الطب امرا ممكنا في الجامعة الافتراضية، وهذا يعني ان كل المواد الأخرى، انسانية او طبية يمكن تعليمها ببساطة وتعلمها بواسطة هذا الاسلوب.
اننا نأمل ان تكون اقساط التعليم في الجامعة الافتراضية، في قدرة الفئات المستهدفة من ذلك النوع من التعليم الذي يجب ان يكون شعبيا، اي متاحا لكل من اراده وفي اي سن هو، اما اذا كانت هذه الجامعة، هي اضافة كمية للجامعات القائمة والتي تعتبر تكلفتها مرهقة فلا داعي لأن تقوم هذه الجامعة بمساعدة الاتحاد الاوروبي «4 ملايين يورو» ومعنى ذلك ان تجهيزاتها الاساسية مدفوعة كمعونة، واذا علمنا انها ستنطلق من جامعات قائمة بأجهزتها ومبانيها وكادرها التدريسي ادركنا بساطة التكلفة الاضافية التي تلقيها الجامعة الافتراضية على برامج الجامعات القائمة.
وهناك امر يجب ان لا نغفله في السياق وهو ان برامج هذه الجامعة شراكة بين احدى عشرة جامعة، ويمكن لكل جامعة ان تتخصص في انجاز كلية من الكليات، وتضم هذه الانجازات الى بعضها البعض فتؤدي «الجامعة الافتراضية» دورها بعمل متكامل ولا أظن هذه الفكرة غائبة عن اذهان القائمين عليها فذلك مفهوم الشراكة.
إننا نأمل ان ترى النور «الجامعة الافتراضية الشرق اوسطية»، وان تكون في قدرة الفئة المستهدفة للتعلم بهذا الاسلوب والا فلا داعي لأن يعلنوا في الناس انها «للفئة الأقل حظا».
ان فلسفة العولمة، والاقتصاد الليبرالي وتحميل المتعلمين تكاليف تعليمهم، وما يكتب عن تأثير ذلك في المجتمعات النامية له آثار مدمرة على الفقراء ولا ينفع انكاره، او تجاهله.
وما لم يتنبه الناس الى ذلك كله ويتداركونه في الوقت المناسب، فان أمن المجتمعات، الذي يحفظه التوزيع العادل للثروة، وتوفير الحد الادنى من العيش الكريم، واعمال مبدأ تكافؤ العرض، في تعليم وصحة وعمل سيكون محل تساؤل هكذا علمتنا احداث التاريخ.