دار المعلمين والكلية العربية في القدس .. على قمة جبل قرنطل (2-3)

دار المعلمين والكلية العربية في القدس .. على قمة جبل قرنطل (2-3)

حسني عايش -  كان من عادة المدير أن يدعو طلاب السنة الاخيرة إلى بيته لتناول الشاي والحديث، كماكان يقول، في شؤون خارجة عن قضايا دار المعلمين، رغبة منه في طرق موضوعات أخرى .
كان عدد الطلاب لا يتجاوز الاربعة او الخمسة وكانت زوجته تقوم بدور المضيفة والمساهمة في الحديث.
أذكر أنه لما كان دوري كان معي عبد الحميد ياسين وزكي الكرمي ورابع لا أذكره.
ودار الحديث حول آمالنا المستقبلية وكان مما قلته أنني آمل أن يتاح لي أن أدرس في إنكلترا. وكانت الادارة الفلسطينية قد أخذت بإرسال بعثات إلى الجامعة الامريكية في بيروت (وكان من أوائل الذين أرسلوا ونحن في دار المعلمين الانسة أولغا وهبه ومحفوظ عجلوني) وإلى بريطانيا . فكانت ملاحظة الاستاذ طوطح: يجب عليك يا نقولا أن تقوي لغتك الانكليزية .
ولما خرجنا قال عبد الحميد ياسين: إذا كنت أنت يا نقولا يجب أن تقوي لغتك الانجليزية، شو نقول نحنا. على أن النشاط لم يقتصر على هذه الامور.
بل كان من عادة الاستاذ طوطح أن يأخذ الطلاب الذين يدخلون الدار للمرة الاولى لزيارة القدس ( وكان يعرفها جيداً وقد وضع، من قبل، كتاب دليل القدس بالاشتراك مع ابن بلده (رام الله) بولس شحادة صاحب جريدة مرآة الشرق المقدسية .

سور القدس

كانت الزيارة الاولى لسور القدس. فقد درنا حوله وتسلقناه حيث يمكن فبدت لنا القدس القديمة بمآذنها وجرسياتها شيئاً جميلاً، وأطللنا على ساحة الحرم الشريف من نقطة تعلو صحنه. وقادنا في زيارات أخرى إلى الحرم الشريف فزرنا قبة الصخرة والمسجد الاقصى وكنيسة القيامة وسواها من المعالم الهامة.
وكم تركت هذه الزيارات من أثر طيب في نفسي. كان جرس المدرسة يقرع أحيانا يوم الجمعة بعد الظهر. كان هذا إيذاناً بأن الاستاذ طوطح ينوي أن يذهب إلى الاماكن المحيطة بالقدس. فيضم اليه من يرغب في ذلك. وأحسب أنني لم أتأخر عن أي من هذه الرحلات القصيرة - زرنا قرية العيزرية وقرية أبي ديس وجبل الزيتون وكنيسة الجثمانية (كان البعض يسميها الجسمانية) وسوى ذلك من الاماكن المحيطة بالقدس. لكن الرحلة الكبرى جاءت في عطلة الشتاء 1921-1922 . كانت إلى أريحا والبحر الميت.
أعلن عنها مبكراً وقيل لنا إن النقل والطعام على الدار، أما النوم في أريحا فمسؤولية الطلاب. هناك فندق يكلف النوم فيه في الليلة الواحدة 15 قرشاً.
أما الذين لا يستطيعون دفع هذا المبلغ، فأمامهم المساجد والاديرة، حيث يمكن أن يقضوا لياليهم مجاناً.
دامت الرحلة خمسة أيام. خرجنا في عربات تجرها الخيول، وأظن أننا كنا نحو ثلاثين شخصاً. توقفنا في خان الدير الاحمر للغداء ووصلنا أريحا (نحو 385 تحت سطح البحر والقدس ترتفع نحو 800 متر عن سطح البحر) مساء.
كان قلة منا نزلوا في الفندق. مع أننا كلنا تعشينا هناك عشاء أفضل من عشاء دار المعلمين. ونحن الاكثرية الفقيرة، ذهبنا إلى أول مسجد عثرنا عليه.
نمنا على الحصر السميكة، وبدون غطاء، سوى ثيابنا الكاملة. لكن أريحا لا تعرف البرد حتى في الشتاء. في اليوم الثاني مشينا إلى البحر الميت. وسبحنا فيه.
ولم يكن هناك ماء للاغتسال الا اذا ابتاع الواحد ماء من رجال كانوا يحملونه من أريحا ويبيعون التنكة بخمسة قروش. والذين لم يستطيعوا دفع ثمن الماء احتفظوا بملح البحر الميت على أجسامهم حتى عدنا إلى أريحا فاغتسلنا في الفندق.

جبل قرنطل

في اليوم الرابع تسلقنا جبل قرنطل، والكلمة تحريف كلمة أجنبية هي كرانت أل ومعناها الاربعون. فالجبل يسمى جبل الاربعين أيضاً، ذلك لانه المكان الذي اعتزل فيه المسيح الناس وصام أربعين يوماً. التسلق كان في ممر جبلي ضيق، مثل طرق الرعيان. في وسطه كان يقوم دير للرهبان اليونان الارثوذكس. وقد أكرموا وفادتنا. والبعض توقف هناك، لكن فريقاً من الطلاب كنت واحداً منهم، تسلق الجبل إلى قمته، وعندها يكاد الجبل يساوي خان الدير الاحمر ويمكن أن ترى منه الاماكن المرتفعة من مدينة القدس.
ولما جاء درويش المقدادي مدرساً في دار المعلمين، أصبحت هذه الرحلات لها مؤيد كبير. وكم مرة كان درويش يقودنا إلى مثل هذه الاماكن. وكان يقول دائماً يجب أن نتعرف إلى بلادنا، والمشي خير وسيلة لذلك. أنا أتعرف إلى هذه الاماكن مثلكم. كان أهل القدس يتحدثون عن موسم زهر اللوز . وكانت منطقة عين كارم (إلى الغرب من القدس) تكاد جميع أوديتها وتلالها تملأها أشجار اللوز. لذلك كان المقادسة يذهبون إلى تلك الاماكن للنزهة. في أحد الايام الربيعية قرأنا الاعلان التالي: غداً صباحاً الساعة الخامسة نذهب لنشاهد زهر اللوز في عين كارم. وسنعود قبل موعد الافطار.
اللقاء عند البوابة الغربية . في تمام الساعة الخامسة كان درويش بقامته الطويلة (وشعره الاشقر وعيناه الزرقاوين) واقفاً ينتظر .
كنا ستة طلاب فقط. سرنا إلى المكان وألقينا النظر على منظر قد يمكن تصوره، لكنني شعرت يومها أنني عاجز عن وصفه. وعدنا في الوقت اللازم لتناول طعام الافطار في الساعة السابعة. كانت مكتبة دار المعلمين صغيرة عندما دخلنا، لكنها نمت نمواً عادياً خلال السنوات الثلاث التي قضيتها فيها. لم تكن إدارة المعارف كريمة نحو الدار. لكن المدير كان يتدبر أمره. وقد أهدى خريجو سنتي 1922 و 1924 (صفي) مجموعات من الكتب للمكتبة.
لكن الدار كان يصلها المقطم والاهرام والمصور واللطائف المصورة (من الصحف المصرية) وفلسطين والكرمل ومرآة الشرق وبيت المقدس (من فلسطين). كما كانت المكتبة تحصل على المقتطف والهلال بانتظام. كانت غرفة المطالعة صغيرة فيها ستة او سبعة كراسٍ. ولست أذكر أنني رأيتها ممتلئة في يوم من أيام تلمذتي في الدار.
ويضيف الاستاذ نقولا: كان طلاب دار المعلمين يتلقون التعليم مجاناً، كما أن إقامتهم في الدار كانت مجانية.
بل إن الطلاب المقدسيين الذين لم يريدوا أن يقيموا في المعهد كانوا يتلقون بدل ذاك مبلغاً مالياً قيمته جنيهان مصريان شهرياً، لمدة تسعة أشهر ونصف الشهر. ثم تبدل هذا النظام ، الا أنني لا أعرف تماماً متى تبدل. فقد أصبح يفرض على كل طالب أن يدفع أربعة وعشرين جنيهاً في السنة (في سنة 1927 كانت حكومة فلسطين قد سكت نقداً خاصاً بالبلاد، وكانت قيمة الجنيه الفلسطيني معادلة تماماً للجنيه الانكليزي).
وكان المبلغ يوزع على ثلاثة أقساط.
وكان الطلاب الفقراء الذي يثبتون فقرهم يعفون من دفع الرسوم. فضلاً عن ذلك، فإن الطالب الذي يبرز في الفصل الاول بعد دخوله الكلية العربية، كان يعفى من الرسوم ما دام يستطيع المحافظة على مستواه الذي أعفي على أساسه.
أما مذكرات المرحوم محمود العابدي كطالب في دار المعلمين في القدس فإنها هي الاخرى تستحق الاسترجاع، ونقتطف منها ما يلي: احتلت القوات البريطانية مدينة القدس في 9/12/1917 وفي مطلع العام التالي أخذت الادارة العسكرية بترميم المدارس التي كانت في العهد التركي، مقدمة لإعادة فتحها.
وكان من أهم ما سارعت بفتحه، بل وفي تأسيسه، مدرسة لتخريج معلمين يقومون بمهمة التعليم حسب الطرق والاساليب الحديثة، فأنشأت في القدس داراً للمعلمين وأخرى للمعلمات. ولما عاد الاستاذ خليل السكاكيني من دمشق إلى القدس، دعاه مدير المعارف الميجر (تدمن) ليتولى إدارة دارة المعلمين وفي 28/10/1918 افتتحت الدار وأطلق منذ تولي إدارتها للطلاب الحرية واستنهض هممهم، وعودهم أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم وأنشأ لهم جمعية للمحاضرات والقاء القصائد ومجلة اسمها (الجوزاء) وكان التلاميذ يتولون تحريرها بأنفسهم - كما أنشأ لهم مكتبة.

استقالة السكاكيني

وفي الوقت الذي قدم فيه هربرت صموئيل اليهودي كأول مندوب سام على فلسطين قدم السكاكيني استقالته من ادارة دار المعلمين حتى لا يكون تحت ادارة يهودي لا يحق للعرب أن يتعاملوا معه. وبعد البحث عن مدير كفء لهذه المهمة، وجد الاستاذ خليل عبد الله طوطح من مواليد رام الله وخريج كلية المعلمين بجامعة كولومبيا في الولايات المتحدة وحامل شهادة الماجستير في التربية والتعليم وأحد شباب عرب المهجر الذي أخذوا يستعدون للعودة إلى بلادهم ليخدموها بعد انتهاء الحكم التركي. واجهت دار المعلمين منذ نشأتها، صعوبة الحصول على معلمين يقلبون النظام التركي إلى نظام حديث وعلى التعليم بلغة البلاد - وقد حلت هذه المشكلة بادىء أمرها باحضار معلمين وكتب مدرسية من مصر - وكانوا ينشدون أكفأ المعلمين للقيام بهذا العمل، ولا سيما لتدريس اللغة العربية حتى إنهم استقدموا شاعر العراق المشهور الاستاذ معروف الرصافي. وبدأ طوطح في تأسي نظام جديد لهذه الدار. وأخذ ينتقي لها الطلاب من أعلى الصفوف الابتدائية وتقدم لهم الدار ما أمكن تعليمه من الدراسة الثانوية - مع دروس نظرية في التربية والتعليم وتطبيق هذه النظريات في الصفوف الابتدائية. ودعت الحاجة إلى الاكتفاء بسنة ونصف للدراسة في هذه الدار، بقصد تزويد المدارس بالحاجة الملحة للمعلمين- وفي السنة التالية ارتفعت إلى سنتين ثم إلى ثلاث سنين. كانت الدار مدرسة داخلية مجانية، وحتى إنها كانت تدفع للطلاب مصروف جيب. وبمجرد دخول الطالب فيها فإنه يضمن ايجاد عمل عندما يتخرج منها، ليعلم في المدارس الابتدائية. ومما كان يدعو إلى نجاح طلابها إنهم كانوا يختارون من الاوائل في صفوفهم من جميع مدارس فلسطين. وفي صيف سنة 1924 تخرج آخر صف من السنة الثالثة ثم أضيفت سنة رابعة، خرجت ثلاث دورات كان آخرها الصف الذي تخرجت أنا منه سنة 1927، وبعد ذلك ألغي هذا النظام بإدخال التعليم الثانوي الكامل منذ سنة 1928، وتؤخذ دروس التربية والتعليم في سنة خامسة.
وكانت الدار تطلب من الاساتذة أن يترجموا وينقلوا أبحاثاً فنية ومهنية وأكاديمية، ينشرونها في مجلة دار المعلمين، التي أنشأها الاستاذ طوطح منذ أن تسلم الدار في سنة 1921 وكانت تصدر في 24 صفحة. وكانت توزع على المعلمين ، ولا سيما خريجي الدار.
أما المكتبة فقد كان فيها سنة 1923 حوالي 250 كتاباً. وسنرى أن هذا العدد يرتفع سنة 1946 إلى 7122 كتاباً .
وفي ربيع سنة 1924 قمنا برحلة إلى مدينة أريحا ومنها انطلقنا مشياً على الاقدام إلى البحر الميت، ثم عدنا إلى اريحا للنوم في المسجد وعلى حصره، ولم ينم أكثرنا عندما شعروا بالطبقة الملحية التي تراكمت على أجسامهم، وهنا قامت المنافسة في من يستطيع أن يستحم تحت مزراب عين الجامع وعد ذلك عملاً بطولياً.
وفي ثاني يوم تسلقنا جبل قرنطل - جبل التجربة - المطل على أنقاض تل السلطان الذي يضم في طياته أقدم مدينة مسوّرة في تاريخ العالم. وفي صعودنا زلت قدم الأستاذ دوريش وتمزق بنطلونه وخدشت ساقه، وهنا أسرع الكثيرون منا للمساعدة والتضميد.
وبلغ حب الأستاذ لدى البعض أن امتصوا دمه السائل. وفي ثالث يوم مشينا إلى الشريعة (نهر الاردن) وهناك حصل كل واحد منا على عصا من أشجار الصفصاف التي تعرش فوق النهر.
وكانت نيتنا أن نواصل السير شرقي النهر، لنشارك في تنصيب الملك حسين (رحمه الله) خليفة على المسلمين بعد أن ألغى الاتراك الخلافة عندهم.
وكم شعرنا بالمرارة - بل وبالخسارة - عندما علمنا برجوع الملك إلى الحجاز فجأة. ولن أنسى لا أنسى كيف كان الأستاذ جورج خميس، الشاب المقدسي الأنيق، يحمل كيس الخبز على ظهره أو على كتفيه من الفرن ليوزعه علينا. هكذا كنا نتعلم كيف يخدم الاستاذ تلاميذه عملياً. وبعد انقضاء هذه الايام الاربعة في هذه الرحلة عدنا لنكتب المواضيع الانشائية عنها.
وكان من أمتع هذه الرحلات زيارة دير مار سابا، للشرق من بيت لحم. لقد مشينا 15 كلم حتى وصلنا إلى هذا الدير العجيب. ولما كان محرماً على كل أنثى أن تدخله انفصلت عنا مسز طوطح ومدبرة المنزل إلى دار الضيافة فوق رابية تطل على الدير.

فتاة سانور

جرت عادة جمعية الامتناع عن المسكرات بالقدس، أن تقدم جائزتين لاحسن مقالتين يكتبهما في مساويء المسكرات تلاميذ مدارس القدس. وفي عام 1924 نال الجائزة الاولى والثانية اثنان من طلاب دار المعلمين هما نقولا زيادة وعبد الحميد ياسين وفي ثاني سنة نالها ايضاً اثنان من طلاب دار المعلمين هما جميل لبيب الخوري وراضي عبد الهادي. وفي ثالث سنة كانت المسابقة في موضوع يتعلق بتاريخ فلسطين ونال الجائزة الثانية محمود سليمان العابدي (أنا) وكان موضوعها فتاة سانور .
أعلن الاستاذ دوريش المقدادي أنه ينوي تشكيل فرقة كشفية في دار المعلمين، فاستجاب جميع الطلاب. واتخذ شعار الكشف المسلم في بيروت.
ولأول مرة تعلو الكوفية والعقال رؤوس الكشافة في فلسطين. وحمل كل كشاف عصا من الصفصاف البلدي، وأخذت هذه الفرقة تزالو تمارينها التي كانت أقرب إلى الأعمال العسكرية ولما علم مدير المعارف المستر بومن بهذه التصرفات طلب من نائب مدير الدار، وقف هذه التصرفات ولكن الاستاذ الوطني كتب التحدي الاتي: جناب مدير معارف فلسطين المحتر: بلغني نائب مدير دار المعلمين أنكم لا تسمحون بانشاء فرقة كشافة عربية مستقلة عن كشافة بادن باول الانكليزية في دار المعلمين. وبما أنني أعتقد أننا عرب، في بلاد عربية، ونريد أن تكون لنا كشافة عربية، وعلم عربي، ونريد أيضاً أن تكون لنا كشافة عربية غير الكشافة الانكليزية التي لا توافقنا في بعض الامور، لا سيما وانها اجنبية استعمارية في روحها، انكليزية في شاراتها وعلمها. وبما أنني أعتقد أنه يجب أن تكون لنا كشافة عربية مستقلة كما هي الحال في المدارس اليهودية، حيث الكشافة مستقلة عن كشافة بادن باول الانكليزية وتحيي شاراتها الصهيونية وعلمها الصهيوني. وبما أن كشافتنا العربية مفيدة للطبة، بعد أن فشلت الكشافة الانكليزية في دار المعلمين.
لهذه الاسباب أتمسك بكشافتنا العربية، لأنني أعتقد غاية الاعتقاد أن وجودها مفيد جداً للطلبة وللمدرسة . لقد قابل مدير المعارف هذا الكتاب ببرود انكليزي، ولكنه أخذ يتربص الفرص للتخلص من مثل هذا المعلم الوطني الغيور، إلى أن لاحت الفرصة إثر حوادث بلفور فاستغنى عن الاساتذة المقدادي وزريق ومعمر دفعة واحدة ، وأتى بمن خلفهم حتى نهاية العام الدراسي، وهم الاستاذ مصطفى الدباغ، مدير ثانوية الخليل، والسيد ناجريان مدرس الانكليزية فيها، والاستاذ سليم كاتول مدير ثانوية يافا.

أول جهاز راديو

أصبحنا نسمع الموسيقى والاوبرا من براغ وميلانوا وباريس ولندن. وسمعنا كذلك دروساً في اللغة الانكليزية تعطى لطلاب ألمان، كما سمعنا خطباً كثيرة بلغات اوروبا المختلفة . ويبدو أن طلبة الدار كانوا مسيسين جداً، فقد كانوا ملتحقين بالدار في أوج الغضب الفلسطيني على وعد بلفور والاحتلال واقرار عصبة الامم لصك الانتداب الذي يعذذد البلاد لاقامة وطن قومي لليهود فيها. ولذلك أضربوا عندما قدم اللورد بلفور إلى القدس لحضور افتتاح الجامعة العبرية في آذار سنة 1925 (التي أنشئت على جبل الزيتون) وفي حينه وقعت اضرابات ومظاهرات شملت فلسطين بأكملها. فلم تبق مدرسة لم تضرب ولم يشذ طلاب دار المعلمين وطالبات دار المعلمات عن ذلك فأغلقت إدارة المعارف دار المعلمين إلى إشعار آخر وتم إعفاء مديرها الاستاذ خليل طوطح من منصبه، وعين نائبه أحمد سامح الخالدي مديراً بدلاً منه. كما تم الاستغناء عن عدد من الاساتذة أيضاً، وألغى الصف الرابع سنة 1924-1925 بسبب الاضراب.

تعليم البنات سنة 26

وبما أن المجلة (مجلة دار المعلمين) بالدار مربوطة فإنني أختار للقاريء منها ما كتبه المستر بومن مدير المعارف في فلسطين، ونقله إلى العربية المرحوم حبيب الخوري بعنوان: تهذيب البنات في فلسطين (غير وارد في كتاب نجم) في العدد الاول من السنة السابعة للمجلة بتاريخ 15 كانون الاول سنة 1926 ص 39-45) ، ننقله إلى القاريء لما فيه من فائدة لفهم ما كان ومقارنته بما هو كائن اليوم.
 لقد كان لمدارس المرسليات والاجانب الحظ الاوفر قبل الحرب في تعليم البنات الفلسطينيات. ولا ينكر أن الحكومة التركية أنشأت بضع مدارس الا أن تلك المدارس لم تكن معلماتها من ذوات الكفاية، وكانت لغة التدريس فيها التركية، بالرغم من كون لغة الاهلين العربية.
ولم تنشأ اضراب هذه المدارس الا في القدس ومدينتين أو ثلاث من امهات المدن الفلسطينية، وكان معظم البنات اللاءي التحقن بها من فقيرات القوم. أما الوجهاء والموسرون من المسلمين فقد أبقوا بناتهم في البيت أو بعثوا بهن إلى مدارس الارساليات المشهورة كمدارس الراهبات. غير أن بعض الآباء كانوا يقدمون لبناتهم شيئاً من التهذيب وهن ملازمات لبيوتهن. وعندما وضعت الحرب أوزارها في سنة 1918، وشرعت الحكومة العسكرية تنشيء مدارس الاناث كان بعض الآباء يعتقدون أن الاجتزاء بتعليم القرآن وشيء من مبادىء الخياطة لهو القسط الكافي من التهذيب للفتاة.
أما النصارى فقد كانوا أسعد حظاً من هذا القبيل، فانه قد أقيمت لهم مدارس تبشيرية وطائفية من مختلف الطبقات في جميع المدن وبعض أمهات القرى. وفي الحق أن معظم الفتيات المسيحيات ضربن بسهم من التهذيب وهن في عهد الصبوة والحداثة.
أما اليهود فقد أُنشئت لاولادهم المدارس في كل بقعة وجدت فيها جماعة منهم ، وكانت بعض مدارسهم، كما هي الحالة في معظمها اليوم، تجمع بين جدرانها الصبيان والبنات. انشئت مدارس الحضانة (بستان الاطفال) وغيرها من المدارس، وكان لها خلا المدارس الاهلية التي كانت تأتيها الاعانات المالية تترى من الخارج، معاهد علمية اجنبية: من المانية (هيلفسفرين) وبريطانية (الجمعية الانكليزية اليهودية) وفرنساوية (الاليانس). على أن الاولى لم تستأنف أعمالها منذ الحرب، والثانية قامت بنفقات مدرسة افيلينا دي روتشيلد للبنات ورئيستها المس لاندو التي اتمت منذ عهد قريب السنة الخامسة والعشرين في خدمتها والمدرسة مدينة لها فيما تتمتع به من النجاح وحسن الاحدوثة.
والثالثة قامت منذ عهد بعيد بالاعباء المالية لمدارس اناث أنشأتها في القدس ويافا، ومدارس مختلطة للجنسين في حيفا وطبريا وصفد. وليس بخاف أنه منذ انتهاء الحرب وبخاصة ابتداء الحكومة المدنية في سنة 1920 تقدم تهذيب الفتاة في مدارس الحكومة وسواها تقدماً عظيماً.
فقد تأسست دار المعلمات سنة 1919 في القدس وتعينت لها رئيسة ومعلمتان انكليزيتان، وبلغ عدد المعلمات العربيات اربعة. وهذه المؤسسة كانت اول معهد علمي انشأته الحكومة في فلسطين لتخريج معلمات لمدارسها، ولم يكن العثور على فتيات جديرات بالالتحاق بها في بادىء الامر من الهنات الهينات، لما كان عليه تعليم البنت العربية من سوء في ذلك الوقت. أما مدة الدراسة فيها والتحصيل فثلاث سنوات الا أنه يضم اليها سنة اخرى ابتدائية إكمالا لمساق الدروس الابتدائي، ولذلك كانت مدة مقام الطالبة في الحقيقة اربع سنوات.
وعندما تفرغ هؤلاء الطالبات من دراستهن يتم تعيينهن في مدارس الحكومة لقاء عمالة يتقاضينها على انهن لا يُعطين الشهادة الا بعد اختبارهن في التعليم طيلة السنة الاولى.
ومن بواعث الارتياح أن الفتيات اللواتي يلتحقن بدار المعلمات في هذه الاونة لاحسن حالا من أخواتهن السابقات وذلك بفضل التحسن الذي كان نصيب مدارس البنات في البلاد. على أنه لا يزال من الضروري أن تبقى الطالبات أربع سنوات في دار المعلمات. ولا تدفع هؤلاء الطالبات رسوماً مدرسية، بل يقدم لهن كل شيء على حساب الحكومة.
وعلى الطالبة أن تعقد مقاولة تتعهد فيها بالتعليم في ادارة المعارف ثلاث سنوات، غير أن معظمهن يمضين في خدمتهن إلى ما هو ابعد من ذلك الامد، واذا تزوجت إحداهن تحتم عليها الاستعفاء.
ويغلب أن تتعين المتخرجة في مدينتها أو قريتها، ويندر الخروج عن هذه القاعدة فاذا تم شيء من ذلك ولم يكن لها أقارب أقامت أما في المدرسة نفسها أو في بيت احد اصدقائها.
وثمة عدا الطالبات المرتبطات بعقد المقاولة عدد محدود من الطالبات اللواتي يلتحقن بدار المعلمات ويدفعن الرسوم المدرسية حباً باتمام تهذيبهن.
ولا يختلفن فيما يتلقين من الدروس عن رفيقاتهن في شيء خلا فن التعليم النظري والعملي.
وجدير بالذكر أن كثيرات من هؤلاء الطالبات اللائي يدفعن الرسوم المدرسية يرغبن في أن يزاولن عمل التعليم. وإقبال الراغبات في الالتقاء مع دفع الرسوم لا كثر جداً مما يتسع له هذا العهد ،ولذا لم يكن بدّ من انتقاء اشد الفتيات جدارةً و لياقة. اما جريدة الدروس فتتضمن عدا اللغتين العربية و الانكليزية ومواد الدراسة المعتادة ، شغل الابرة وعلم الصحة ودرس الطبيعة وجميع فروع تدبير المنزل. ولغة التدريس فيها العربية كما هيا في سائر مدارس الحكومة وليس في مقدورنا الا القول أن عدد الطالبات قد زاد من 26 في سنة 1919 إلى 64 في سنة 1926، وان من هؤلاء 41 مرتبطات بعقد مقاولة و23 يدفعن الرسم المدرسي.
ومن الاخيرات طالبتان بعثت بهما حكومة الشرق العربي بعد أن عقدتا مقاولة للعمل في مدارسها.
ومن جميع الطالبات 36 مسلمات و28 مسيحيات جميعهن من الطائفة الارثوذكسية.
وهناك فوق ما ذكرنا طالبتان مسلمتان التحقتا بدار معلمات بولاق في القاهرة، وطالبة أخرى مسيحية تتخرج في الجامعة الامريكية ببيروت. ولذا أخذت صعوبة ايجاد معلمات ولا سيما من المسلمات لمدارس الحكومة تخف شيئاً فشيئاً على أن المتخرجات لا يزلن غير كافيات لسد حاجات البلاد التي تنمو على كرور الايام. ولا بد من مرور مدة من الزمن قبل أن تصبح العاملات في مدارس الحكومة من ذوات الكفاية. وهناك رغبة تتزايد يومياً في المسلمين في سبيل تعليم البنات وليس من يقوم بتتميم هذه الرغيبة سوى الحكومة، على أن المجلس الاسلامي الاعلى يشعر بالحاجة إلى تزييد عدد مدارس البنات وتوسيع نطاقها، ولذا أنشأ منذ عهد قريب مدرسة ابتدائية للبنات في القدس.
واذا استثنيا هذه المدرسة ومدرسة الجمعية الاسلامية بحيفا علمنا أنه ليس من محل لتهذيب البنت المسلمة سوى مدارس الحكومة. ومما يرتاح اليه في نظام الحكومة الحاضر أن عدداً ليس بقليل من البنات المسيحيات يذهبن إلى مدارس الحكومة التي تملأ حجرات الدراسة فيها البنات المسلمات. ولا يخفى أن المدارس التركية القليلة التي وجدت قبل الحكم لم يكن يؤمها الا البنات المسلمات، واذا استثنيا الان مدينتي القدس ويافا حيث توجد مدارس مسيحية كافية وجدنا أن الوالدين المسيحيين لا يترددون أن يرسلوا بناتهم إلى مدارس الحكومة. أما التعليم الديني فهو اجباري.
وقد فتحت منذ انقضاء الحرب مدرسة للبنات تعرف بكلية البنات المقدسية، وهي تعد في طليعة المدارس المسيحية للبنات، والفضل في تأسيس هذه الكلية وجمع المال لاقامة الابنية الجديدة يعود إلى المس مابل واربرتون التي اعتزلت العمل منذ عهد قريب، واسف لذلك اصدقاؤها الكثيرون. غير أن المس جيمسون، وهي من ذوات التحصيل العالي والاختبار الواسع خلفتها وعهدت على نفسها متابعة العمل العجيب الذي شرعت فيه المس واربرتون.
وهناك مدرسة اخرى مشهورة انشأتها جميعة انكليزية في بيت لحم قبل الحرب، وقد اقفلت منذ سنة لاسباب مالية. وكانت هذه الجمعية قد أنشأت المدارس في أقسام مختلفة من فلسطين وشرقي الاردن على انها اضطرت لاسباب مالية أن تضيق نطاق أعمالها. ويشتغل الان فريق من معلمات تلك المدرسة في مدرسة الانسة رتيبه شقير الداخلية التي أنشأتها في بيرزيت منذ سنة ونيف.
وخليق بنا أن نذكر مدرسة اخرى داخلية وهي المدرسة الامريكية للبنات برام الله، تديرها المس جونس ومعلمات قديرات، ويتخرج فيها بنات يقصدن اليها من سائر انحاء البلاد على أحسن تقويم. أن اتساع نطاق التهذيب بين البنات اليهوديات يسير جنباً إلى جنب مع التزايد المسبب عن المهاجرة، ولعل عدد البنات اللواتي في سن التعليم المدرسي، ويرغبن عن الالتحاق بالمدارس، قليل جداً.
وهناك داران للمعلمات تسدان ما في المدارس الصهيونية والمزراحية من الحاجة الشديدة. ونظام التعليم عندهم في تحسن تدريجي، واللجنة التي الفتها جديداً الجمعية التنفيذية الصهيونية شاعرة بالحاجة إلى اصلاح الشعور كله.
أما التهذيب المشترك أي تعليم الصبيان والبنات معاً فليس في المقدور مدحه أو ذمه بعد، على أنه قد تأصلت فكرته عند اليهود في فلسطين وتمكن من نفوسهم واقبل عليه كثير من الوالدين، ويستثنى من ذلك مدارس اليهود الارثوذكس. أما لغة التدريس فهي العبرية في جميع مدارسهم خلال مدارس الجمعية الانكليزية اليهودية والاليانس حيث تدرس الانكليزية في الاولى والافرنسية في الثانية اكثر من سواهما. وصفوة القول فقد بذلت الجهود في السنوات الست المنصرمة في اعلاء مستوى تهذيب الفتاة بين جميع الطوائف في فلسطين، الا انها لا تزال في حاجة إلى شديد الاصلاح ولا سيما من جهة علم تدبير المنزل، فان مستقبل فلسطين يتوقف على الحياة البيتية كما يتوقف على المدارس فيها، على نحو مما هو جارٍ في البلاد الاخرى.
ولا أمل لتحسين حياة الناس البيتية دون أن تتقدم الام ولذا فاذا أردنا أن يكون لتهذيب الفتاة أثر بيّن في مستقبل البلاد فلا مندوحة من تربية البنت في كل ما يحدو بها إلى أن تقدِر الحاية المنزلية الطيبة حق قدرها، لاعتبار النظافة ومراعاة القواعد الصحية وبخاصة العناية بالاولاد، الهدف الذي ترمي اليه كل امرأة في حياتها البيتية. وهنا يجدر بنا القول أن الحكومة ينبغي أن تكون لها القيادة في هذا الامر والسير به إلى الامام ، على أن ذلك يتعذر على الحكومة وحدها.
أنه ذا شكر السعي الذي قامت به المدارس غير الحكومية، على اختلاف اجناسها وطبقاتها في الاقاليم الفلسطينية لا يعتدُّ هذا الثناء من قبيل الاسراف في القول. فأولو الامر في تلك المدارس هم طلائع تهذيب الفتاة الفلسطينية، وهم حقيقيون ، لماعملوا ولا يزالون يعملون، بكل تقدير واطراء.
على أنه إذا جاز لنا سوق كلمة في نقد هذه المدارس وكان لا مندوحة من الجهر بها، فكلمتي هي: اننا نعني عناءً شديداً بالقسم الادبي من التهذيب وتكاد أن تكون مهملة للقسم الاخر منه، وهو المدعو بتدبير المنزل. وهذه هي القضية الخطيرة التي على رجال تهذيب الفتاة أن يضعوها نصب اعينهم ويعالجوها دون عاقة وتردد، لان في قصر تهذيب الفتاة على الفنون الادبية والجنوح بها عن جميع فروع علم التدبير المنزلي خطراً لا ريب فيه. وجميع الطوائف والجماعات الفلسطينية سواسية إزاء هذا الامر الواقع. واذن فلا بد لنا من التفكير في حل يجعل بنات الجيل القادم غيرهن بالأمس.