سنوات التأسيس .. وأساتذة جيل عشق الحياة والوطن

سنوات التأسيس .. وأساتذة جيل عشق الحياة والوطن

تاريخ النشر : الأربعاء 12:00 28-11-2007
No Image
سنوات التأسيس .. وأساتذة جيل عشق الحياة والوطن

حسني عايش - عندما كان جيلي في المرحلة الابتدائية في أواخر أربعينيات القرن الماضي ثم في المرحلة الثانوية في أوائل الخمسينيات منه، لم نكن نسمع أو نعرف عن كلية او جامعة سوى عن الكلية العربية، لأن كثيراً من معلمينا كانوا خريجين فيها مثل المرحوم احمد عبد الرحمن إسماعيل الذي علمنا التاريخ في مدرسة عنبتا الابتدائية، والمرحوم الاستاذ محمود ابراهيم الذي علمنا اللغة العربية في المدرسة الفاضلية الثانوية في طولكم ، او كان لنا أقارب تخرجوا فيها مثل المرحوم الدكتور محمد حسين علي الذي علمنا التاريخ في المدرسة الفاضلية الثانوية في طولكرم الذي قد لا يأتي الزمان بمثله في أساليب التعليم وأسر انتباه التلاميذ أو مديرون لنا منها مثل المرحوم عبد الحميد ياسين- أول مدير لدار المعلمين في عمان- 1952 والذي كان يلقب وهو طالب في الكلية العربية ببيديا الفيلسوف، وأساتذة لنا بعد المرحلة الثانوية مثل المرحومين الاستاذ محمود الغول وعبد الملك الناشف في دار المعلمين، وغيرهم كثير ممن علمونا أو زاملناهم فيما بعد.
ثم وقعت الاحداث الكارثية المعروفة سنة 1948م فأتت على الكلية وفلسطين وتشتت أساتذتها وكثير من خريجيها في الافاق العربية والغربية. ولما كان للدار والكلية من تأثير وأثر بأساتذتهما وخريجيهما، فقد استمر الحديث عنهما، والتعلق بهما لدرجة تداعي كثير من خريجيهما بين وقت وآخر إلى إعادة إحيائهما بإنشاء كلية تحمل اسمهما وروحهما...
ولكن هيهات بعد أن صار التعليم الجامعي كالماء والهواء متوفراً في فلسطين المحتلة والاردن والبلدان العربية والعالم .

صفحات مضيئة

لقد يسر الله لإحياء ذكرى الكلية في النفوس والتاريخ تطوع أحد خريجيها لتأريخ نشأتهما وتطورهما واسترجاع صفحات مضيئة من عطاء مديريهما وأساتذتهما وخريجيهما المشعة إلى اليوم. وكان على رأس هؤلاء الاستاذ الدكتور محمد يوسف نجم - ابن المجدل المولود سنة 1925 الذي تخرج في الكلية سنة 1943 ثم في الجامعة الامريكية في بيروت حيث حصل على البكالوريوس، ثم على الماجستير في الادب العربي من جامعة فؤاد الاول في القاهرة ثم حصل على ماجستير آخر سنة 1949 وعلى الدكتوراه سنة 1954، عين بعدها عضواً في هيئة التدريس في الجامعة الامريكية، وتقلب بين جامعات عدة: أوروبية وأمريكية وعربية، واشتغل في تحقيق خمسة عشر مؤلفاً وأصدر مختارات من التراث ودراسات في المسرح والثقافة ومقالات في الادب والنقد وترجمات وتحرير كتب واشراف على مجلات ثقافية أعيد طبعها غير مرة.
وقد ساعده في إعداد الكتاب الذي نحن بصدده عن دار المعلمين والكلية العربية في بيت المقدس التي انبثقت منها الاستاذان صادق ابراهيم عودة أحد خريجي الكلية والاستاذة سهام قيصر عزام وعدد غير قليل من ذوي العلاقة.
كما تفضل المعلم حسيب جريس صباغ بتمويل إعداد الكتاب، والمعلم سعيد توفيق الخوري بتمويل نشره (2007) وتخصيص ريعه لصندوق الطلاب الفلسطينيين.
لقد أسست حكومة الانتداب البريطانية على فلسطين داراً للمعلمين وآخرى للمعلمات في القدس 1919/1926 لتوفير معلمين ومعلمات مؤهلين للمدارس الابتدائية. غير أن دار المعلمين في القدس تحولت إلى ما يسمى بالكلية العربية سنة 1927 .
ولعل خير من يصف تلك الدار أحد طلبتها اللامعين المشهورين وهو الاستاذ المؤرخ المرحوم نقولا زيادة: الذي كبّر سنه بشهادة ميلاد مزورة ليلتحق بالدار وفيما يلي مقتطفات من ذكرياته ومذكراته: ''كان الدخول إلى دار المعلمين يجري على أساس امتحان دخول، فيذهب المتقدمون إلى القدس ويقدمون الامتحان ويقبل الناجحون منهم.
في 6 تموز (يوليو) سنة 1921 كنت بين المتقدمين لهذا الامتحان. كان يشترط في المتقدم للامتحان أن يكون قد بلغ الخامسة عشرة من عمره. وكانت سني آنذاك ثلاث عشرة سنة وسبعة أشهر. لكنني بفضل الحاج حسن (أو احمد لا أذكر تماماً) مختار الحارة الغربية في جنين، حصلت على شهادة ميلاد مزورة، قيد فيها أنني مولود في سنة 1905 بدل 1907. وبذلك جاز لي التقدم إلى امتحان الدخول. اقتصر الامتحان الذي تقدمت له على اللغة العربية والحساب والتاريخ والجغرافيا وعلم الاشياء (وهذه تسمية تركية الاصل معربة لمباديء علم الطبيعة ). في الساعة الواحدة من اليوم التالي انتهت الامتحانات وقيل لنا إن النتائج ستعطى في الثالثة بعد الظهر.
فتناولنا طعام الغداء في دار المعلمين، على نحو ما تم في اليوم السابق. وعند الساعة الثالثة أعلنت الاسماء وكنت بين الناجحين. وعندها جاء الدكتور يعقوب نزهة ففحصنا طبياً.
ولم يكن هذا يزعجني، فصحتي كانت جيدة. وبعد هذا الفحص تم قبولي (كان ثمة ثلاثة ممن لم ينجحوا في الفحص الطبي فاختير ثلاثة بدلاً منهم).

القبول رهن الطول

كان سروري عظيماً.وبينما كنت أجلس وحولي طلاب من الناصرة بلدة أبوي الاصلية كانوا في السنة الثالثة (جورج جرجورة ونعيم سليمان ورشيد قعوار) وكان في السنة الثانية (جميل سمعان) إذا بيدين ضخمتين نسبياً تمسكان بي عند الكتفين. التفت واذا بمدير دار المعلمين ، الاستاذ خليل طوطح، يقول لي أمام أبناء بلدتي:( يا ولد أنت لست في الخامسة عشرة من سنك، لكنا اضطررنا إلى قبولك لانك كنت الاول بين المتقدمين للامتحان (كان عدد المتقدمين 87 والمطلوب قبولهم 31). كنت تصورت بعد الجزء الاول من جملته أنه كان سينذرني بأنني لن أقبل بسبب سني، لكن لما أتم جملته عدت إلى ما كنت عليه من الحبور، على أنه أضاف، مازحاً: ''إذا لم يزد طولك عشرين سنتمتراً عند بدء الدراسة فلن نقبلك''. قال هذا مبتسماً وتركني في مرحي. في أواسط شهر أيلول (سبتمبر) 1921 دخلت دار المعلمين طالباً وقضيت فيها ثلاث سنين. في تموز (يوليو) تسلمت الشهادة التي تخولني التعليم في المدارس الابتدائية. كان عمري يومها ست عشرة سنة وسبعة أشهر. فأنا مولود في 2 كانون الاول (ديسمبر) سنة 1907 (في دمشق).
لكن لما ذهبت إلى دار المعلمين طالباً، كانت إدارة المعارف قد ألغت السفرات المجانية، حتى في العطل، للطلاب. لذلك ذهبت بسيارة حملتني من جنين إلى القدس في نحو خمس ساعات، ودفعت 125 قرشاً مصرياً أجرة السفر.
كانت السيارات التي وصلت إلى المنطقة بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى (سيارات فورد) التي كانت ذات سقف، لكن جوانبها كانت مفتوحة. وكان السائق مضطراً إلى لحم الدولاب الداخلي في عملية شاقة اذا أصابه بنشر (Puncture) كما كان الناس يقولون . على كل، فإن خمس ساعات لهذه المسافة لا تقاس بشيء اذا تذكرت أنه في صيف 1921، أي قبل ذهابي إلى دار المعلمين، ذهبت إلى الناصرة لقضاء بعض الوقت في ضيافة جدي (لأمي) فركبت (مع آخرين طبعا) في سيارة احتاجت إلى نحو سبع ساعات لقطع المسافة بين جنين والناصرة وهي عشرون كيلو متراً. فقد أصاب السيارة عشر بنشرات في الطريق. كانت السيارة تقف حتى يهتدي السائق إلى مكان العطب ثم ينظف المكان بورق الزجاج ثم يحضر صمغاً خاصاً ورقعات من المطاط خاصة (كان كل سائق سيارة يحملها احتياطاً) يلصقها على مكان الثقب ثم ينفخ الدولاب بمنفاخ يد. ولولا أن الركاب كانوا يساعدونه، ما كان باستطاعته أن يفعل ذلك عشر مرات منفرداً. كان الاستاذ جورج خميس ، الذي كان ، على ما بدا لي من أيام الامتحان، الساعد الايمن لمدير دار المعلمين، قد سلمنا بعد صح قبولنا نهائياً، لائحة بالثياب التي يتوجب علينا أن نحملها معنا: بدلتان - للصيف والشتاء، قمصان، ألبسة داخلية، مناشف، كلسات، قمصان نوم (جلابية إذ لم تكن البيجاما قد وصلت إلى طبقتنا من الناس بعد).
فكان أول ما تم فحصه ثيابنا للتأكد من أن اللائحة حملت محتوياتها كاملة. كان على أمهاتنا أن يخطن في مكان مناسب الحرفين الاولين من أسمائنا على الثياب التي تذهب للغسيل (في حالتي NZ). وكان على كل منا أن يحضر كيساً خاصاً لوضع الثياب عند إرسالها للغسيل. وخصصت لنا أماكن النوم وأرشدنا إلى غرف الدرس والطعام وما إلى ذلك.
وبعد عشاء تلاميذي ذهبنا إلى النوم.
فاليوم التالي كان بدء الدراسة. لما بدأت السنة الدراسية كان هناك ثلاثة صفوف، وفي السنوات الثلاث التي قضيتها في دار المعلمين تخرج منها ودرس فيها نحو مئة من الطلاب.
في أحد الايام (من ربيع 1923) كنا مجموعة من طلاب المدرسة جالسين في غرفة جانبية نتحدث، واذا بدرويش المقدادي - وكان يومها صاحب النوبة في الدار - يدخل علينا وبيدة سلة يلقي بما فيها على الارض، ويقول : خبز ناشف أكل الدهر عليه وشرب. بابوج عتيق لا يصلح لشيء.
قميص قذر. بابوج مقطع. مشط مكسور. هذه حصيلة ما حصلت عليه من دورتي التفتيشية اليوم.
استحوا على حالكم. استحوا أنتم معلمو الجيل القادم'' وخرج وهو يرتجف كما دخل.
هذا نوع من التدريب الذي كنا نتعرض له.
كان موعد الفطور الساعة السابعة صباحاً، إذ إن الدروس كانت تبدأ في الثامنة، وكان على كل طالب أن يرتب سريره قبل أن يدخل غرفة الدرس، وكان المدرس المناوب يمر بغرف النوم صباحاً ليتأكد من ذلك.
كان المدرسون ، بمن فيهم المدير ، يتولون شؤون الطلاب العادية كمناوبين خلال أيام الاسبوع.
وكان المألوف أن يجلس المدرس المناوب إلى احدى موائد الطعام، متنقلاً في وقعات الاكل المختلفة من مكان إلى آخر، رغبة في توثيق الصلات بين الطلاب والمدرسين.
وقد كان الجميع يقومون بذلك، وكم سررنا وأفدنا نحن الطلاب من هذه الجلسات . لكن أحد المدرسين كان يقضي وقته متمشياً في قاعة الطعام، حتى إذا فرغنا هرع إلى غرفة طعام المدرسين ولحق بطعامهم هناك.

قناديل الكاز

ومع أن القدس كانت فيها شركة كهرباء منذ أواخر القرن التاسع عشر، فإن دار المعلمين - وما حولها - لم تصلها الكهرباء أيام وجودي فيها. كنا ندرس مساء على قناديل كاز كبيرة تعلق بالسقف، ومثل ذلك كان يتم في غرف الدرس في ايام الشتاء المعتمة مبكراً. وكانت قناديل صغيرة تنار في غرف النوم لنصف ساعة مساء كي يتمكن الطلاب من الايواء إلى الفراش. وكانت إنارة هذه القناديل وإطفاؤها وتذكير الطلاب بوجوب ترتيب تخوتهم من عمل عريف الغرفة. وقد كنت في سنتي الاخيرة عريفاً لغرفة فيها عشرة طلاب.
وقد كان البعض منا يلجأ إلى شمعة او بطارية لاتمام بعض الواجبات قبل النوم، ذلك لأن الازدحام على غرف ''الاراحة'' القليلة كان كبيراً.
كنا نستحم مرة في الاسبوع، مساء الخميس. كان المطبخ يتحول بعد العشاء مكاناً لتسخين المياه في (الخلقينات) الكبيرة، وكانت ثمة أوعية كبيرة فيها ماء بارد لمزجه بالحار.
وكان المطبخ يتسع لسبعة او ثمانية من الطلاب في الدفعة الواحدة ومدتها عشر دقائق، ذلك لأن القدس كانت يومها تعاني مشكلة مياه، فلم يكن من الممكن المكوث لأكثر من ذلك الوقت. لكن كان ثمة مبنى صغير أقيم على مقربة من ملعب الدار فيه (دوشات) مع ماء بارد يمكن استعمالها بعد الرياضة.
لكن برد القدس شتاء لم يسمح باستعمالها الا لمن كان له جلد خاص. وكان الاعلان عن وجوب الاقتصاد في استعمال المياه يغطي جدار كل من (الدوشات) الاربعة التي كانت تقوم هناك.
وأذكر حالات لم يصلنا فيها ما يكفي من الماء للحمام، فأُخذنا كلنا إلى واحد من حمامات القدس العامة.
وكان دوماً حماماً مرغوباً فيه.
كان الحصول على الكتب المدرسية أمراً صعباً في ذلك الوقت. وقد كان المدرس يستعمل الكتاب الذي يجده ويراه مناسباً.كان الاعتماد بطبيعة الحال على مصر، فقد فتحت الطريق معها بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى. واستمر الامر على ذلك مدة من الزمن.
حتى المدارس الابتدائية التي فتحت جيء لها بالكتب من مصر. فقد كنت أنا أعرف، وأنا في جنين (قبل دخولي دار المعلمين) عن جغرافية مصر الشيء الكثير، لأن الكتاب الذي وصلنا مصري وموضوع للمدارس المصرية. كان الطلاب يلعبون بالاشياء الموجودة في المختبر.
كان بين طلاب دار المعلمين طالب اسمه جميل لبيب ( الخوري فيما بعد) عاد جميل يوماً من المختبر وهو يلعن ويشتم: يا جماعة ديروا بالكم من الاشياء الموجودة في المختبر. وجدت سائلاً لماعاً فيه، فحسبت أنني إذا دهنت ساعتي الذهبية تزداد لمعاناً.
فلما فعلت ذلك تشقق غطاؤها وخربت. قيل فيما بعد إن السائل كان زئبقاً.
قد يكون وقد لا يكون، لكن المهم أن (ولدنة) جميل أتلفت ساعته، التي كان يعتز بها ويفتحها، بمناسبة وبدون مناسبة، لنراها.
أما أنا فقد أدخلت ميزان حرارة عادياً (للجسم) في ماء غالٍ كان قد اعد لاجراء تجربة أمامنا، وذلك رغبة مني في التأكد من حرارة الماء.
فطق الميزان لأنه يصل إلى درجة 40 درجة فقط، والماء كان غالياً. لكن أطرف ما كان يحدث هو أن الدكتور حلاق كان يتغيب عن الدرس أحياناً، قد اكتشفنا مرة (من حديثه) أن بقرة تعسرت ولادتها فكان عليه أن يعالجها فتغيب عن الدرس لكنه سيعوضه علينا.
ولم يعوضه. كانت اللغة الانكليزية مشكلة تعليمية كبيرة في تلك الايام في دار المعلمين.
عندما بدأت السنة الدراسية قررت الادارة إجراء فحص عام في اللغة الانكليزية لجميع الطلاب. وقُسّم هؤلاء إلى ثلاث شعب على أساس المعرفة (أو عدمها) في تلك اللغة.
فكانت الفرقة الاولى، وأنا منهم من جميع الصفوف، وكان العدد ثمانية.
تولت تدريسنا المسز طوطح، زوجة المدير، وهي أمريكية لا تعرف العربية. فأفدنا كثيراً.
كانت تعنى باللفظ وبالانشاء. ولما احتج احد الطلاب بأن كتابة موضوع إنشائي كل أسبوع أمر صعب لأنه يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، كان جوابها باختصار (وكيف يتعلم الواحد منا لغة أجنبية؟).
كانت تعطينا قصائد قصيرة للحفظ، وتهتم بالخط، وتقرأ علينا مقالات وقصصاً قصيرة. الواقع أنني أفدت كثيراً من هذه السنة. وكان العدد الاكبر من الطلاب في الشعبة الاخيرة لأنهم بدأوا من حروف الهجاء تقريباً. هؤلاء أعطوا إلى جمل المحامل الاخر - جورج خميس.
كان الشيخ سعود العوري يدرس الدين الاسلامي في دار المعلمين. وقد كُلّف سليم كاتول بتعليم الدين المسيحي للطلاب المسيحيين. كان عددنا صغيراً.
طلب منا أن يحضر كل منا إنجيل متّى ( وهو الانجيل الاول من العهد الجديد من الكتاب المقدس). كانت خطته أن يختار كل طالب لكل درس (مرة في الاسبوع) عددين من هذا الانجيل، وعندها يبدأ الحديث حولهما على ترتيب يختاره هو في كل مرة. وكانت أحاديث دينية اجتماعية مفيدة في كثير من الاحيان، ولو أنها لم تكن دروساً تلقينية مرتبة. ولما ترك سليم كابول دار المعلمين قبل نهاية سنتي الاولى، مع فريد نبهان ونور الدين العباسي، انقطع هذا الدرس. عندها انضممت انا إلى دروس الشيخ سعود وظللت على ذلك بقية المدة التي قضيتها في دار المعلمين ( وكنت من قبل في جنين قد واظبت على حضور دروس الدين الاسلامي الذي عهد بتعليمه إلى الشيخ سعيد مرعي). كانت دار المعلمين في السنوات الخمس الاولى تحاول إعداد معلمين للمدارس الابتدائية، وبقطع النظر عن السنتين الاوليين اللتين كانت فترة الدراسة فيهما سنة واحدة أو سنتين، فإن السنوات التي كنت أنا فيها طالباً كانت فترة تجارب واختبارات.

خطاط حكومة فلسطين

كان تدريس الخط موضع عناية كبيرة في مدارس المنطقة. ولم تختلف دار المعلمين عن سواها. كان يعلمنا الخط عبد القادر الشهابي ، خطاط حكومة فلسطين. لم يكن يكتفي بأن نقلد نماذج الخط كما كان يفعل الباقون من معلمي الخط. كان على كل طالب أن يحضر إلى الصف، في الحصص الاولى للسنة المدرسية (وكان درس الخط مقصوراً على طلاب السنة الاولى) بوصة كاملة وشفرة او موس حادة (وعبد القادر كان يفضل الثانية). وتبدأ عملية التعليم من أولها: قص البوصة بحيث يبدو رأسها كالريشة، ثم شق هذا الجزء بحيث يصبح صالحاً للكتابة. وكانت العملية تتكرر حتى يستطيع كل من الطلاب أن يعد البوصة للكتابة.
عندها يبدأ تعليم خط الرقعة أولاً والذين يجيدون خط الرقعة كانوا الوحيدين الذين يمكن أن يدربوا على خط النسخ او الثلث. أما الخط الفارسي فقد كان تعلمه امتيازاً خاصاً.
وقد اجتزت عند عبد القادر الشهاربي الدرجات الاربع. ذلك أننا كنا في مدرسة جنين الابتدائية قد دُربنا تدريباً جيداً على الخط. وكان معلمنا زكي بك قد خصني بعنايته لأن خطي كان جميلاً إلى حد أنه أعلن مرة في الصف أن نقولا لم يعد بحاجة إلى تدريب. وكان يترك لي اختيار أبيات الشعر او مقطوعة النثر التي أريد كتابتها (كي يظل خطي جيداً) كما كان يقول ومن هنا كانت لي منزلة خاصة عند المدرس الشهابي. مع كل ما ذكرت عن دار المعلمين من حيث البناء وقلة الماء وضيق الرقعة، لم يكن حول المباني، باستثناء الملعب، سوى حديقة صغيرة أمام المبنى المتوسط كانت تقوم فيها أشجار صغيرة وحوض زهور كان موضع عناية المسز طوطح. مع كل ذلك عندما أعود بالذاكرة إلى تلك الايام أرى أنه كان عندنا نشاط طالبي لا بأس به .
كان عندنا جمعية خطابية تنعقد مساء كل خميس. كان طلاب السنة الاولى في أيامنا يسمح لهم ( والدور كان يشمل كل طالب) أن يلقوا شيئاً محفوظاً.
أما طلاب السنتين الثانية والثالثة ، فكان يترتب عليهم أن يقرأوا شيئاً من إنشائهم. عرفت بعض الطلاب الذين كانوا يقرأون شيئاً منقولاً ويدعونه لأنفسهم. كان المدرسون الداخليون يحضرون بعض هذه الامسيات، لكن الذي كان يواظب على حضورها مدير الدار.

الفونغراف

أراد المدير أن يكون ثمة تنوع في النشاط المدرسي فابتاع (فونغرافاً) وأسطوانات كنا نحيي أمسيات طرب مثل أيام السبت او بعد ظهر يومي الجمعة او الاحد . اذكر أن أول أغنية سمعتها كانت أغنية ''كم بعثنا مع النسيم سلاماً'' في اسطوانة لام كلثوم. كان الاستاذ طوطح يعرف النوتة الموسيقية. وكان يعزف على البيانو. خطر له أن يتيح لمن يريد ان يتعلم البيانو ذلك، فاشترى بيانو صغيراً وجاء بمعلم للموسيقى نمساوي الاصل اسمه أكلر. لكن بعض الطلاب اعتبروا الامر نكتة، فأخذوا يسخرون من المعلم. وكان هو معتاداً على النظام في المدارس التي كان يعلم فيها الموسيقى وكان عصبي المزاج فلم يفهم الطلاب وفي إحدى الامسيات ''غضب'' فحمل قبعته وخرج ولم يعد.
ولم يعد البيانو إلى الظهور.
كانت دار المعلمين تستضيف محاضرين، إما من أهل المعرفة والفكر من أبناء القدس وإما من الزوار الذي يطرأون على القدس وكان المدير يتصيدهم. فيها سمعت إسعاف النشاشيبي الاديب الكبير وخليل بيدس صاحب النفائس والذي كان ينقل الكثير من الادب الروسي إلى العربية.
وحاضرنا مرة السير رونالد ستورز حاكم القدس الذي كان من أعضاء المكتب العربي (لبريطانيا) في القاهرة، والذي كان واحداً من الذين أسهموا في مراسلات الحسين - مكماهون (وهي التي انتهت بقيام الثورة العربية الكبرى سنة 1916).
وكان حديثه حول ''أربعة كتب'' فقد فرض أنه حكم عليه بأن يقضي بقية عمره في جزيرة بعيدة عن العالم وسمح له أن يحمل معه أربعة كتب فقط. وقد اختار ''الكتاب المقدس'' و ''الياذة هوميروس'' و''الفردوس المفقود'' للشاعر الانكليزي ملتون (وقد نسيت الكتاب الرابع) وأن كنت أظن أنه ''الكوميديا الالهية'' لدانتي.
ومن العلماء الذين زاروا دار المعلمين وألقوا فيها محاضرة، الاب أنستاس ماري الكرملي. كان الكرملي من كبار علماء اللغة العربية واللغات السامية. كان ضخم الجثة ويزيد في مهابته ثوبه الكهنوتي الابيض الفضفاض ولحيته الكثة. كان الصف الاول من الكراسي مخصصاً للضيوف. وكان بينهم إسعاف النشاشيبي. وحيث إنني كنت من الصغار سناً فقد جلست في الصف الثاني من الكراسي، وكان موضعي خلف الكرملي وإسعاف مباشرة.
قام إسعاف يقدم العالِم ، وكان إسعاف النشاشيبي من أسياد الكلمة. وكان يحرص على استعمال الالفاظ العجيبة في خطبه، وكنت قد سمعته عندنا من قبل. وعندما انتهى اسعاف من كلمته قال للكرملي: '' أظن أنه لم يفهم كلمتي الا أنت وأنا'' . فرد الكرملي مبتسماً : ''حتى ولا أنا''. إن الذي أذكره إلى الان من محاضرة الكرملي، وقد كانت حول ترجمة الكلمات الاجنبية وتعريبها، شيء واحد فقط وهو اقتراحه بأن يسمى السيكار ''دُخنة'' والسيكارة ''دُخينة'' .
ولعله كان الشيء الوحيد الذي استوعبته من تلك المحاضرة ، التي لا بد أنها كانت غزيرة المادة كبيرة النفع. كانت في القدس فرقة تمثل مسرحية من مسرحيات شكسبير مرة في السنة.
أعضاء الفرقة كانوا من موظفي حكومة فلسطين وسواهم من أفراد الجالية الانكليزية، منهم مدرسون في مدرسة المطران (سان جورج) وصهيون (المطران غوبات). كانت الرواية الاولى التي حضرتها (وكان ثمن التذكرة لطلاب المدارس خمسة قروش) مسرحية (مكبث).
قبل الذهاب لحضورها جمع الاستاذ طوطح الطلاب الذين ابتاعوا التذاكر لحضورها وألقى عليهم كلمة عن شكسبير ثم لخص لنا الرواية كي نتمكن من متابعتها.
كان المسرح في جمعية الشبان المسيحية، وهو مسرح يعد لمثل هذه المناسبة إعداداً خاصاً. وكان في الاسبوع الاول من دخولنا دار المعلمين ان سُلمنا كتيباً صغيراً عنوانه الاناشيد المدرسية وضعها معروف الرصافي عندما كان مدرساً في دار المعلمين في 1920 -1921. والنغم الموسيقي اختاره خليل طوطح. وقد اخبرنا طوطح فيما بعد أن الرصافي كانت تعجبه قطعة موسيقية تلعبها على البيانو زوجة المدير او المدير نفسه. عندها كان يشرح له طوطح معنى القطعة المغناة أصلاً. وبعد وقت يقصر او يطول يأتي معروف الرصافي بقطعة شعرية تدور حول الموضوع سابقاً، ويعرض على طوطح توفيقها على اللحن الاصلي ومع بعض التعديلات كان يتم للاثنين النجاح. هذا الكتيب كان قد حفر الكلام والنوطة الموسيقية على لوح من الزنك (فن الطباعة يومها) بخط عبد القادر الشهابي.
وقد أعجبت الفكرة يومها إسعاف النشاشيبي، وهو صديق للرصافي، وحارس روحي لدار المعلمين ومعجب بمديرها، فوضع مقدمة لهذا الكتيب اذكر عنوانها ''كلمة مستجيد لجامع هذه الاناشيد''. ولعل من ألطف ما تم على أيدي الرجلين أن تفهم الرصافي المعنى المقصود من المارسيلييز (وهو النشيد الفرنسي الوطني) فوضع نشيد لحن على نغمته جاء فيه قوله في الافتتاحية:

أوطاننا وهي العوالي
أرواحنا لها ثمن
وإنما أحيا المعالي
من مات في حب الوطن

وكانت لنا مجلة اسمها ''مجلة دار المعلمين'' وعندما سميت الدار ''الكلية العربية''سميت المجلة باسمها. كانت المجلة للطلاب أصلاً. كان رئيس التحرير في سنتي الاولى (1921-1922) حسين غنيم. وأذكر أنني كتبت في ربيع 1922 مقالا بعنوان '' علم بلا عمل كشجر بلا ثمر'' نشر فيها بعد أن صحح لي حسين غنيم كلمة واحدة. والمقال كان من وحي حديث مع جدي لأمي عن شجرة في بستانه الواسع في الناصرة كانت لا تثمر. وقال ما فائدة هذه الشجرة يا سيدي (يا جدي)! ولما لم أجد جواباً قال: مثل الرجال اللي بيعرف يكتب ولا يقبل أن يكتب مكتوب لجاره الجاهل، هو كذلك شجرة بلا ثمر''.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }