محمد بشناق.. ستون عاماً مع النحت

محمد بشناق.. ستون عاماً مع النحت

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 24-2-2012

غازي انعيم - يعدّ النحات الأردني محمد بشناق أحد الفنانين العرب القلائل الذين جمعوا بين الثقافة والفكر الفني الواعي، وفضلاً عن قدرته على الإبداع فهو ذو بصمة خاصة مملوءة بالتنوع والثراء والتفرد، وصاحب تاريخ فني طويل حافل بالأعمال التي تمثل حالة خاصة في حركة النحت العربي، وهو من بين الذين أثْروا الساحتين التشكيليتين الأردنية والكويتية بكثير من الأعمال التي أسهمت في وضع اللبنات الأولى فيهما.
وُلد بشناق في قرية «الشيخ» جوار مدينة حيفا في العام 1934، وتعلق منذ نشأته الأولى بالنحت، فكان يسهر ليالي رمضان لصناعة تماثيل صغيرة على أشكال السيوف والخشب، معتمداً في صناعتها على أسلوب تجميع القطع الصغيرة وتركيبها. وقد منحه حبه الشديد للفن وحلمه بأن يصبح يوماً فناناً كبيراً، الطاقةَ ليواصل هوايته ويحقق ما تاق إليه.
وفي العام 1954، سافر إلى الكويت للعمل في تدريس مادة الفن، وقد تتلمذ على يديه منذ ذلك التاريخ حتى مغادرته الكويت في مطلع التسعينيات، العديد من الفنانين الكويتيين، ليعدّ بذلك من أوائل الفنانين العرب الذين أسهموا من خلال التعليم في رفد الحركة التشكيلية بأعداد كبيرة من المدرسين والفنانين، ومنهم من أُوفد للدراسة خارج الكويت، وبعد عودتهم مثّلوا التجارب الرائدة للتجديد في الفن التشكيلي الكويتي. كما أسهم بشناق في تأسيس المرسم الحر الذي أصبح مكاناً لتجمع فناني الكويت الرواد.
أقام بشناق أول معرض شخصي له في العام 1956، وهو أول معرض تشكيلي يقام في الكويت، وقد ذاع صيت بشناق بعد ذلك المعرض، واشتهر في أفق الحركة التشكيلية، ما شجّعه على إقامة معرض آخر في العام 1958، عرض فيه مجموعة من المنحوتات الخشبية التي تشير إلى الحاضر بهمومه وإشكالاته وأفراحه، كما نلمس من خلالها إخلاصاً للتراث ولحرية التعامل مع المادة، بعيداً عن المبالغة الأكاديمية.
واستحضر بشناق من خلال منحوتاته التي تتضح فيها القيمة الفنية العالية والبساطة الدقيقة المعبّرة، الماضي البعيدَ، الذي أعاد إليه حياته الواقعية القائمة، وبهذا المعنى بايع الفنان عن قناعةٍ، القيمَ الإنسانية المتفتحة والمنبثقة من أعماق التقاليد الشعبية الراسخة.
اتجه بشناق إلى مادة الخشب كونها ترمز للخصب وللمرأة، لذلك تشكّل المرأة في مسيرته النحتية أحد رموز الخطاب الجمالي وإحدى علامات فنه الحيوية.. فهي تمثل الوطن والخصب والخيال، وهي الأم التي حملت الإبداع النوعي للبشر، وهي في رؤية الفنان الجسد والروح على حد سواء.
وفي مطلع أيلول 1963 أقامت ندوة الرسم والنحت الأردنية معرضاً لبشناق في قاعة أمانة عمان، وقد احتوى المعرض إلى جانب اللوحات الزيتية مجموعة من المنحوتات الرمزية المستمدة من الواقع والتاريخ العربي، غلب عليها مراعاة النسب ودراسة التشريح للجسم الإنساني، كما عمل الفنان على ربط الكتل والخطوط والفراغات للوصول إلى الاتزان.
وفي العام 1966 أعلن المعهد البريطاني عن مسابقة في الكويت، تقدم بشناق إليها بتمثال صغير من خشب الليمون، ارتفاعه لا يتجاوز عشرين سنتمتراً.. وقد أفاد في إنجازه من حركة « تجازيع الخشب»، وبعد فوزه بالمسابقة تقرر منحه سنة تفرغ للدراسة في بريطانيا، أنتج خلالها مجموعة من التماثيل الخشبية.
كان الخشب هو الخامة التي حقق بشناق من خلالها موهبته كنحات، وبما أن شخصيته الفنية تقوم على الفطرة الدؤوبة التي لا تقف أمام خامة، فقد أدرك وهو يتعامل مع خامات النحت المتنوعة (خشب، وحديد، وحجر، وفايبر جلاس..)، الفروق بين كل خامة وسواها، لكن توفر مادة الخشب أتاح له تحقيق تفاهم خاص معها هو الذي يقول: «النشوة التي تغمرني وأنا أمارس عملي كنحات لا يعادلها شيء».
وقد تنوعت أعماله النحتية في ما بين البورتريه والموديل الكامل، كما أنه تميز أيضاً في تجسيد «العاري»، فجاء أسلوبه في عرض مشخصاته النحتية شديد الخصوصية.. وكثير من تماثيله تتخذ وضعاً حركياً مثل تماثيل راقصات الباليه التي يقف الواحد منها في شموخ وهو يشد جسداً ممشوقاً في دلال أنثوي وقور.
تعرّف بشناق من الصينيين على أسرار معالجة الخشب، مثل تعريضه للعوامل الجوية كالبرودة والمطر والحرارة، لاكتشاف عيوبه، وتوصّل إلى أن العصارة الخشبية هي الأساس الذي يبنى عليه التمثال، فاتخذ أساليب عمل وتقنيات مختلفة في تنفيذ العمل النحتي، وأصبحت لديه الخبرة في تنفيذ «اسكتشات» سريعة، كما بلغ مرحلة استطاع فيها أن يجمع التمثال بحيث لا يمكن أن يكتشفه أحد إلا بتحطيمه.
لم تنحصر تجربة بشناق في النحت باتباع المدرسة الكلاسيكية كما كان في بداياته، بل تابع تطويره ليقدم نحتاً حديثاً بصياغات متحررة، فكان رائد التجديد النحتي الذي يعتمد على مفاهيم الحركة والحيوية، ولهذا لم تتوقف عطاءاته الفنية، وقد مثلت تجاربه وما تزال، علامة بارزة ضمن تجارب النحت المعاصر في الأردن والكويت.
وقد توّج تجربته بفوزه بميدالية فضية عن العمل النحتي الذي شارك فيه بالمعرض العام الرابع بالكويت في عام 1972، وميدالية برونزية للنحت عن مشاركته في المعرض الفني الأول لجمعية المعلمين الكويتية، وميدالية برونزية للنحت عن مشاركته في المعرض الخامس بالكويت سنة 1974، والجائزة الثانية عن مشاركته بتمثال «الصمود والمقاومة» في معرض الكويت السادس للفنانين التشكيليين العرب.
وفي عقد الثمانينيات اختلفت الموضوعات التي تناولها في منحوتاته، بتأثير من الأحداث السياسية التي تلت احتلال بيروت، ومجازر صبرا وشاتيلا، والانتفاضة الفلسطينية الأولى.. وقد طرأت بعض التعديلات على أسلوبه لتتلاءم مع الأحداث المهمة التي شغلت المواطن العربي.
 ركز بشناق، الذي أعطى الجوانب التعبيرية أهمية كبيرة، على تصوير الإنسان الذي عانى من شتى صنوف القهر والقتل والملاحقة والخوف من المصير. وبلورت الأيام نظرته إلى أمور أثْرت وجدانه بتجارب متجددة، مثّلت عالمه الخاص الذي يملك مفرداته وأشكاله ورموزه، فاستطاع عبر التطور الذي مرت به مسيرته الفنية، من الواقعية إلى التعبيرية ثم تحوله إلى التجريد، أن يعكس شخصية فنية من نوع خاص، لها أبعادها المستقلة ضمن تجارب النحاتين الكبار.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }