توظيف الأسطورة في السرد وإشكاليّة التلقي .. بقلم : علي المومني

توظيف الأسطورة في السرد وإشكاليّة التلقي .. بقلم : علي المومني

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 19-10-2007
No Image
توظيف الأسطورة في السرد وإشكاليّة التلقي .. بقلم : علي المومني

متح القصّاصون الأردنيون من التراث العربي والإسلامي عبر العصور المختلفة، ونهلوا من القصص القرآني وما جاء في الكتاب المقدس وتأثروا بالأساطير عند الشعوب والأمم من الإغريق واليونان والبابليين والأشوريين والفراعنة..
ويمكن القول إن التأثر بالأسطورة في الأدب القصصي الأردني بدأ بمجموعة أحزان كثيرة وثلاثة غزلان للكاتب جمال أبو حمدان، التي صدرت في العام 1970 عن دار الآداب ببيروت. إذ تأثر أبو حمدان بأسطورة خلق العود - آلة العزف - التي تقول كما جاء في كتاب مروج الذهب للمسعودي: إنّ مالك بن متوشح صنع آلة العود من بقايا ابنه بعدما مات، وعلقه على شجرة حزناً عليه..
وتعني الأسطورة في التراث الشعبي الأحاديث الخارقة والكاذبة، والأسطورة في العربية تعني: الأحدوثة، وجمعها: أساطير، اُشتق فعل (سطر) فيقال: سَطّر علينا فلان، إذا جاء بأحاديث تشبه الباطل، وهو يسطّر ما لا أصل له، أي (يؤلِّف) ... والأسطورة: تعريب لكلمة Istorir الإغريقية، التي تعني رواية الأحداث للتسلية من غير تدقيق أو توثيق- وقد انتقلت إلى العربية عن طريق السريانية، والمترجمين السريان، ومن الأسطورة myth اشتق مصطلح mythology (ميثولوجي) ليدل على معنيين، الأول: العلم الذي يدرس الأساطير ويبحث فيها، والثاني: مجموعة أساطير أمة ما. وتمثل الأسطورة: الإدراك الأولي للعالم، وتتسم بقوة الخيال، وحدّة الشعور وتحمل مقومات أولية كلية في التاريخ والفلسفة والفن والدين، وتمتاز بالغنى والخصب، وتمتلك قابلية للتفسير المتجدد، والانتقال المستمر في الزمان والمكان، وتملك بناءً متجدد الشكل يتغير باستمرار بتغير الواقع مما يُذكر باستمراره في العصور كلّها ؛ ولهذا يلاحظ أنّ الأسطورة لديها قابلية التجدد والظهور في الآداب كلِّها، وفي مختلف الأزمان والأماكن، والمبدع له الحرية في توظيف الأسطورة في الاتجاه الذي يراه مناسباً مما يكسبها الحياة والتجدّد والاستمرارية..
ويذهب كثيرٌ من النقاد والدارسين إلى أن من سمات الحداثة استخدام الأساطير والتوكؤ عليها في ابتكار تعبيرات معاصرة عن الحالة الوجدانية للإنسان الحديث، وقد جاءت هذه السمة من التأثير الذي أشاعته نظرية عالم النفس الألماني كارل يونغ حول الوعي الجمعي ، واتخاذ الرموز الميثولوجية، والنماذج التاريخية العليا، ألفاظاً مجازية، وصوراً استعارية، ترمز إلى توق الإنسان المعاصر لإيجاد رابطة وثيقة تشُده إلى جذره التاريخي، واستخدم هذه الأساطير عدد من الشعراء الغربيين، منهم باوند وإليوت، وكان الرمزيون قد سبقوا إلى توظيف الأسطورة، وتبعهم فيما بعد الكثير من المبدعين العرب كالسياب وأمل دنقل..
والملاحظ أن الأسطورة ترتبط بجمالياتٍ تشدُّ المبدع للانغماس فيها، فضلاً عن أنها معروفة لدى القارئ أيضاً، وإن لم يكن متعمقاً فيها، وهذا يدفعه إلى البحث لمعرفة أصل الأسطورة، وكيف وظفها المبدع في أدبه، إذ إن الأساطير مختلفة، ولكلِّ شعب أساطيره الخاصة به، ثم إن تنوع مصادر الأسطورة مختلف ومتعدد لدى القاصين والمبدعين، فهو يعبّر عن شمول التجربة الإنسانية والإبداعية، وهو يستلهم رموزه من التاريخ والقرآن الكريم، ومن الشعر العربي، يقتبسُ أبياته وكلماته. ومن النماذج التاريخية المتمردة والثائرة يستعير أقنعته وشخصياته ويوظفها توظيفاً ذكياً للتعبير عن إشكالية الإنسان المعاصر في وقوعه بين القوى المضطهدة، ويأخذ من الأسطورة الإغريقية ومن الأدب الأوروبي، وهذا يدلُّ على نظرته نحو وحدة الفكر الإنساني والتراث العالمي ، وقد أحيا الكتاب المعاصرون الأودويسا والمهبراتا والملاحم الشعرية عند الأمم، لما تحتويه من أساطير مختلفة تمثل حياة كل شعب، ولما في هذه الأساطير من مشاعر إنسانية مشتركة..
ويقوم المبدع بانتقاء ما يناسبه في التعبير والرمز، إذ إن الأسطورة تقف بين التاريخ والخيال . فلا أحد يظن أنها حقيقية، ورغم أن هناك من يؤمن بها إلا أنهم لا يجرؤون على البرهنة على صدقها..
لقد تم انتقاء الأسطورة بواسطة الذاكرة الشعبية ثم اكتسبت استقلالاً أدبياً ذاتياً. وأحياناً ما تكون القصة القصيرة هي الأساس في الأسطورة، وهذا يحدث عندما يسيّر أحداث القصة القصيرة بطل فعلي أو تصوّري، لكنّها تجسّده في مكان وزمان معينين وتوظفه في إطار تاريخي خادع.. وهنا نجد براعة الكاتب في توظيف الأسطورة للإشارة إلى موضوع معين أو الرمز إليه وانتقاده، فالأسطورة تكتسب أهميتها عن طريق حسن توظيفها في النص القصصي والسردي بشكل عام..
وتتوافق الأسطورة والقصة القصيرة في تكثيف الأحداث بتوتر درامي، فكلتاهما تعالج الأمور غير المألوفة وغير المتسقة مع القواعد العامة.. ويتضح تأثير القصة القصيرة في مدى وعي القارئ وقدرته على الاستيعاب، وربط وقائع الأسطورة بأحداث الحاضر وأوجاعه..
وثمة من يقول إن الأساطير وقائع وأحداث حقيقية. ويرى ل. ريتشاردز أن الأساطير العظيمة ليست أوهاماً، بل هي منطوق النفس الإنسانية كلها، هي الإدراك الرمزي للحقائق، ومحاولة لخلق الانسجام فيما بينها.. ومن هنا تحمل بعض الحكايات الشعبية سماتها الرئيسية من أشلاء الأساطير الرئيسية، أو بقاياها... فالكثير من الأساطير اجتذبت وانتفعت بموتيفات الحكايات الشعبية البسيطة وتضميناتها، مما يدل على العلاقة الوثيقة بين الذاكرة الشعبية في الزمن الحاضر، وأحداث الأساطير القديمة، ويقوم العقل البشري بخلق ما يناسبه في الأسطورة ليبني حكايات سردية جديدة..
أما عن الطرق المتعددة والمختلفة في تحليل الأساطير، فإن المؤلف ليس مسؤولاً عن صيغة التحليل المقدم بعد عملية الكتابة. ويفترض بحسب هذه الصيغة أن السرد يمثل الإسقاط لشبكة من العلاقات الاستبدالية، فنكتشف داخل مجموع السرد تبعية بين بعض العناصر، فنسعى أن نجدها ثانيةً داخل التتالي، وهذه التبعية هي في معظم الأحوال تناظر ، أي علاقة تناسبية من أربعة حدود (A / B = a / b) ويمكن أن نسلك حسب الترتيب المعاكس، أي أن نحاول ترتيب الأحداث الروائية المتعاقبة، بكيفيات مختلفة حتى نكتشف بنية العالم المعروض انطلاقاً من العلاقات التي يتمّ قيامها. والقاص يبني العلاقات المكونة لديه مع علاقات الأسطورة وما ترمز إليه، ليصار إلى نشوء ترتيب سردي مختلف وقد يكون معاكساً في كثير من الأحيان..
ويمكن أن يكون تحليل الأسطورة وفهمها صعباً على القارئ، وتبدو بعض الإشارات الأسطورية ورموز الأسطورة غامضة من حيث أصلها، فلم تتعود عليها ذائقة المتلقي العربي، أو مما لم يدخل في ثقافته. ولعل الإشكالية التي أحدثتها النماذج الأولى في الشعر العربي الحديث على أيدي السيّاب وجيله، خير مثال على هذا البعد في الشعر العربي، إذ أُخذ عليهم انتحاؤهم إلى مصادر أسطورية لم تكن ذات حضور في ذاكرة الناس متباينة بين أصولٍ يونانية ورومانية وفارسية وعراقية ومصرية وسورية قديمة، لكن هذه الرموز سرعان ما أصبحت جزءاً من ثقافة الناس بسبب تداولها على أيدي الشعراء، وبالتالي دُفع القرّاء إلى فهم الأساطير ليفهموا الشعر، ومع هذا، فإن الأسطورةَ لا يدركها سوى الباحثين ضمن اختصاصاتهم، ويبقى القارئ العادي بعيداً عن استيعابها. ويحتاج فهم النص الإبداعي أن يعي الأدباء المصادر الأسطورية وأن يعي الباحثون والقرّاء مقاصد الأساطير ورموزها..
* كاتب أردني

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }