الواقعية القذرة .. بقلم : يوسف ضمرة

الواقعية القذرة .. بقلم : يوسف ضمرة

كانت الواقعية السحرية هي آخر ما وصل إلينا من تسميات أو صفات للواقعية في الأدب، قبل أن تطلق الأوساط الثقافية البريطانية صفة القذرة على واقعية جديدة مغايرة للواقعية السحرية التي خصّت السرد الأميركي اللاتيني، خصوصاً بعد شيوع ماركيز، على الرغم من أنه -كما تبين لاحقا- لم يكن رائدا لهذه الواقعية.
المهم، هو أن الأوساط الثقافية البريطانية -كما نتذكر- هي التي أطلقت صفة القذرة على كتابة سردية جديدة، ولكنها ليست بريطانية، بل أميركية! أي أن البريطانيين هم الذين تكفلوا بالتسمية، ويبدو أنهم بعد أفول نجمهم أو استراحته في المجالات كافة، اكتفوا بالمشاهدة والمراقبة، وإطلاق التسميات، على الرغم من فوز دوريس ليسينغ قبل أيام بجائزة نوبل، وهي الاسم الذي لم يكن له بصمة قوية في الأوساط الثقافية العالمية، ولكن هذه هي نوبل!
وبالعودة إلى الواقعية القذرة، لا نكاد نعثر على أكثر من ثلاثة أسماء هي: الروائيان بول أوستر و ريتشارد فورد ، والقاص رايموند كارفر . وهو أمر يثير علامات استفهام كبرى حول التسمية التي لا تنطبق مبدئيا إلا على نتاج ثلاثة كتاب، هذا إذا سلّمنا بصحة التسمية أصلا.
فمن سمات الواقعيات السابقة على القذرة ، أنها كانت تمثل نموذجا في الكتابة لا يقتصر على واحد أو اثنين أو حتى مجموعة من الكتاب، بمقدار ما كان نهجا أو أسلوبا عاما يقيض له من يتبناه ومن ينظّر له ومن يتلقاه. وهو لا يصبح أسلوبا أو شكلا أو نسقا - سمّه ما شئت - إلا إذا اكتسب صفة الشيوع والتعميم، وإلا إذا كان له ما يبرر وجوده أصلا، أي أنه يأتي في سياق تطور فني وثقافي طبيعي من دون إقحام رغبة كاتب أو ناقد أو أيّ كان.
لكن هذا لم يحدث مع الواقعية القذرة. فكما قلنا، لم تصبح هذه الكتابة تيارا إبداعيا جديدا مغايرا للتيارات السابقة، ولم ينتمِ إلى هذه التسمية إلا تلك الأسماء التي انتقتها الأوساط البريطانية، ولا نعرف إنْ كانت الأوساط الأميركية الثقافية تعترف بهذه التسمية أم لا. ولكن ما نعرفه، هو أن هذه التسمية سرعان ما اندثرت، أو تلاشت، أو اختفت، هذا إذا سلّمنا أنها شاعت كما ينبغي للتسمية الجديدة أن تشاع.
فقد رحل رايموند كارفر في نهاية الثمانينيات، ويبدو أن السينما تمكنت من جذب الروائي بول أوستر ، خصوصا أن رواياته قائمة على التقنية البوليسية أصلا، بصرف النظر عن كونها واقعية قذرة أم لا، ولم نعد نسمع بريتشارد فورد. وهذا لا يعني أننا ملمّون تماما بالمشهد السردي الأميركي المعاصر، ولكننا مقتنعون بقلة تأثير هؤلاء الكتاب في المشهد السردي العالمي، الذي تبرز فيه أسماء لا يمكن لأحد أن يتجاهلها.
لكن السؤال المؤجل هو: لماذا أطلقت هذه التسمية على كتابات هؤلاء الثلاثة؟
إن قارئ بول أوستر في أحلام المدينة البعيدة و ثلاثية نيويورك ، وقارئ ريتشارد فورد في عاشق النساء ، وقارئ رايموند كارفر في قصصه القصيرة الكثيرة، لا يعثر على ما يبرر هذه التسمية. ولو لم تُطلق هذه التسمية على هذه الكتابات، لما كنا مضطرين لإدراجها تحت تسمية محددة.
فالروائي بول أوستر ليس واقعيا على الإطلاق، وواقعي اجتماعي ونقدي في الوقت نفسه. ويمكن عدُّهُ في رواياته الأربع، روائي الفانتازيا الجديدة -إذا جاز التعبير- الفانتازيا القائمة على مفردات من الواقع الأميركي، في إطار حبكة بوليسية سينمائية متقنة. فثمة عناصر الخوف والقلق والضياع وما شابه مما تحبل به دوامة الحياة الأميركية المعاصرة. وهو يعبر عن هواجس الفرد الأميركي، واغترابه، وعن القطيعة المعرفية بينه وبين ذاته، وعن السيكولوجيا الأميركية المتناقضة في الفرد الواحد، حيث يكون مطارِدا ومطارَدا في الوقت نفسه.. عارفا وجاهلا معا!
أما ريتشارد فورد فهو في عاشق النساء يتناول علاقة رجل أميركي بامرأة فرنسية، مع احتفاظه بعلاقته الزوجية، وهو وإنْ قام بتعرية العلاقة الزوجية الأميركية التي قد تبدو في ظاهرها سليمة في الكثير من جوانبها، إلا أنه ينحاز إلى البنية الثقافية الأميركية بصفتها بنية شفافة وصادقة وصريحة، على عكس الحال التي تبدو عليها البنية الأوروبية، حيث حدائق اللكسمبورغ الجميلة تخفي في أعماقها أردأ أشكال الممارسات الاجتماعية من شذوذ ومخدرات وما شابه ذلك. بل إن المرأة الفرنسية التي تبدو أمام العالم أكثرهن أناقة ونظافة، نراها في المنزل في صورة مغايرة تماما. وهو ما يعني ازدواجية الثقافة الأوروبية، أو الشيزوفرينيا الثقافية التي أصبحت سمة أوروبية بعد انهيار امبراطوريات أوروبا وانكساراتها في الحربين الكونيتين، وتخليها عن مستعمراتها، وصعود نجم الولايات المتحدة الأميركية بصفتها الطرف الثاني في معادلة البقاء الأوروبي وحضارته، إلى جانب التراث الإغريقي.
ويبقى رايموند كارفر، وهو في ظني أكثر هؤلاء الكتاب تميزا وإبداعا. ولعل أهم ما يميز كارفر في كتاباته القصصية، هو هذه الشفافية في تناول مختلف جوانب الحياة الأميركية المعاصرة. وهو يعتمد على وقائع وأحداث صغيرة دائما، مما تزخر به الحياة اليومية. وربما لا تكون هذه التفاصيل خاصة بالمجتمع الأميركي وحده، لكن تمثيلها للمجتمع الأميركي يضع هذه البنية الاجتماعية عارية أمام القارئ الذي قد يبدو مخدوعا بصور هوليوود وأسماء الشركات العابرة للقارات.
ولكن رايموند كارفر الذي يدرك أن هذه الوقائع والأحداث ليست أميركية خالصة، يقوم هو بمنحها هذه الخصوصية، وذلك في خلال أسلوبه السريع والجاف والمباشر، من دون أن ننسى الحضور الدائم في قصصه لبعض المفردات الأميركية اليومية، كالتلفزيون المفتوح في المنزل دائما في قصصه، واللغة اليومية المستخدمة بعفوية جعلتها لغة أشبه ما تكون بالرسمية.
فأين هي القذارة في هذه الواقعية؟
إن الكتابة كلها تلتقط مفردات الواقع اليومي وتحوك منها بنية فنية جديدة، قادرة على إثارة المتعة والأسئلة المؤجلة أو المنحّاة جانبا في خضم الحياة اليومية. وهي أسئلة جوهرية يجري التحايل عليها بوسائل متباينة، حتى في خلال الإجابات عنها!
وإذا كانت مثل هذه الكتابات تسمى واقعية قذرة ، فلا نعرف بماذا نصف كتابات جان جينيه وهنري ميللر وأناييس نن وغيرهم!
لسنا مولعين بالتسميات التي يقرفص بعضهم متوترا لإطلاقها بين حين وآخر. ولا نجد ما يبرر مصطلح الواقعية القذرة، أو الواقعية النظيفة! وإذا شئنا أن نكون أكثر صراحة فإننا لم نكن مع مصطلح الواقعية السحرية أو سواه. ويكفي -بكثير من التساهل- أن نقبل مصطلح الواقعية نفسه، حيث القراءة العميقة لكافكا مثلا تجعله واقعيا جدا. أي أن المصطلح يقوم بالضرورة على زاوية التلقي ومدى الدخول إلى العالم الأدبي، وليس على بعض مفردات النص المكشوفة والسطحية، أو على معرفتنا أفكار الكاتب أو أيديولوجيته أو معتقداته. فلا يصح مثلا تجريد غريب ألبير كامي من الواقعية، فقط لأن كامي كان وجوديا! أو لأن في الرواية ما يعدّه الوجوديون مؤشرا على الإيمان بالفلسفة الوجودية - مع التحفظ على مصطلح الفلسفة هنا.
واقعية بول أوستر وريتشارد فورد ورايموند كارفر، واقعية مكتفية بذاتها، وليست في حاجة إلى ما يميزها عن الواقعيات الأخرى، سوى ولع المولعين بالتسميات والمصطلحات!
* كاتب أردني