سردية الأصفهاني في الأغاني (11)
قال الأصمعي: هو امرؤ القيس بن حُجر بن الحارث بن عمرو بن حُجر آكل المُرّار بن معاوية بن ثور، وهو كندة.
أمّا اُمّ امرئ القيس، فهي: فاطمة بن ربيعة، أخت كُليب والمهلهل. وكان لقبه الملك الضّليل ، أو ذو القروح . ولد ببلاد بني أسد. أمّا جدّه حُجر، فقد سُمّي آكل المُرّار ، لأنه لما أتاه الخبر بأن الحارث بن جَبلة بن الحارث الرابع بن حجر الغسّاني (أشهر أمراء بني جفنة في بادية الشام، وهو الذي حارب المنذر، ملك الحيرة، وانتصر عليه سنة 528م. أُمُّه ماريا ذات القرطين) كان نائماً في حِجر امرأته هند، وهي تُفلّيه، جعل يأكل المُرّار نبتٌ شديد المرارة من الغيظ، وقيل إنّ عمرو بن حُجر (جدّ الشاعر) سُمّي عمرو المقصور ، لأنه أُجبر على المُلك. ثمّ ورثه ابنه الحارث بن عمرو . وقد ظهرت المزدكية في بلاد فارس في عهد قُباذ بن فيروز ، ورفض المنذر بن ماء السماء، الدخول في المزدكية، بينما وافق الحارث بن عمرو جدُّ امرئ القيس، أن يصبح مزدكياً. ثمّ جاء كسرى أنو شروان ملكاً على فارس بدلاً من قُباذ، فأمر بقتل مزدك ، وطلب من المنذر بن ماء السماء، ملاحقة الحارث بن عمرو المزدكي، فقتل المنذر ثمانية وأربعين من بني آكل المرّار بين دير هند، والكوفة. ومضى الحارث، فأقام بأرض بني كلب. وقال ابن الكلبي: حدّثني أبي، قال: إنّ حُجْراً (والد امرئ القيس)، كان في بني أسد، وكانت له عليهم إتاوة في كل سنة مؤقتة، ثم بعث إليهم جابيه، فمنعوه ذلك، وكا حجر بتهامة، فضربوا رُسُلَهُ، فبلغ ذلك حجرا، فسار إليهم بجند من ربيعة وقيس وكنانة، فققتل وحبس منهم كثير. ثمّ ألقى عبيد بن الأبرص، الشاعر الأسدي قصيدته، فَرَقَّ لهم حجر، فبعث في إثرهم، فأقبلوا، لكنّ كاهنهم (عوْف بن ربيعة بن سوادة بن أسد) قال لبني أسد: يا عبادي!. قالوا: لبّيك يا ربّنا. فقام بتحريض بني أسد من أجل قتل حجر، فما أشرق لهم نهار حتى أتوا على عسكر حُجر، فهجموا على قبّته. ثمّ أقبل عِلباءُ بن الحارث الكاهلي (وكان حجر قد قتل أباه)، فقتل حُجر، وانهزمت كندة. وقيل: إنّه بمجرد موت الحارث بن عمرو، والد حُجر، طمع بنو أسد في وراثته، لهذا قتلوا حُجراً. قال ابن السّكّيت: ولما طعن الاسديّ، حجراً، ولم يجهز عليه، أوصى ودفع كتابه إلى رجل، وقال له: تذهب إلى ابني نافع، فإن بكى وجزع، فاتركه، ثمّ تذهب إلى أولادي واحداً واحداً، حتى تأتي امرأ القيس، وكان أصغرهم، فأيّهُم لم يجزع، فادفع إليه سلاحي وخيلي وقُدوري ووصيّتي . فذهب الرجل إليهم واحداً واحدا، فكلّهم جزع، حتى أتى امرأ القيس، فوجده مع نديم له يشرب الخمر ويلاعبه النرد، فأخبره بمقتل حُجْر. فقال: حرامٌ عليّ الخمر والنساء، حتى أقتل من بني أسد مائة، وأجُزَّ نواصي مائة .
أولاً: وقال ابن الكلبي: كان حُجْر قد طرد امرأ القيس لقوله الشعر، وكانت الملوك تأنف من ذلك، فكان يسير في أحياء العرب ومعه أخلاط من شُذّاد العرب من طيء، وكلب وبكر بن وائل، فإذا صادف غديراً أو روضة أو موضع صيد، أقام، فذبح لمن معه في كل يوم، وخرج إلى الصيد، فتصيّد، ثم عاد فأكل وأكلوا معه وشرب الخمر وسقاهم وغنّته قيانُه. وما يزال كذلك، حتى يَنْفَدَ ماء ذلك الغدير، ثمّ ينتقل عنه إلى غيره. فأتاه خبر مقتل أبيه وهو بِ دمون من أرض اليمن، جاء بالخبر رجل من بني عِجْل يدعى عامر الأعور . فقال امرؤ القيس جملته الشهيرة: ضيّعني صغيراً... اليومَ خمرٌ وغداً أمرّ . ثمّ شرب سبعاً. فلما صحا، آلى ألاّ يأكل لحماً، ولا يشرب خمراً، ولا يدّهن بدُهن، ولا يصيب امرأة، ولا يغسل رأسه من جنابة، حتى يُدرك ثأره.
ثانياً: وقال الهيثم بن عدي: لمّا قُتل حُجْر، انحازت ابنته هند ، وقطينُه إلى عوير بن شجْنة، فقال له قومه: كُلْ أموالهم، فإنّهم مأكولون، فأبى. فلمّا كان الليل، حمل هنداً وقَطينها، وأخذ بخِطام جملها، وأشْأم بهم في ليلة مُدلهمّة. وأوصلها إلى نجران .
ثالثاً: وقال ابن الكلبي عن أبيه ويعقوب بن السّكّيت: إنّ امرأ القيس ارتحل حتى نزل بكراً وتغلب، فسألهم النصر على بني أسد. ثمّ أرسل امرؤ القيس، العيون، فوجدهم لجأوا إلى بني كنانة، وحين وصل إلى بني كنانة، حاربهم متوهماَ أنهم بنو أسد، لكنّه اكتشف خطأه. فتبع بني أسد وقاتلهم، حين أدركهم ظهرا، وقد تقطّعت خيله، وقطع أعناقَهُم العطش، وبنو أسد، جامُّون (مستريحون) على الماء، فقاتلهم حتى كثُرت الجرحى والقتلى فيهم، وحَجَز الليلُ بينهم، وهربت بنو أسد.
رابعاً: لجأ امرؤ القيس إلى عمرو بن المنذر ، ابن عمّته هند بنت عمرو بن حُجر، وذلك بعد قتل أبيه وأعمامه، وتفرُّق مُلْك أهل بيته، وكان عمرو يومئذٍ، خليفة لأبيه المنذر، ببَقّة (بين الأنبار وهيت)، فأجاره، ومكث عنده زماناً، لكنّ والله المنذر أراد قتل امرئ القيس، فلجأ إلى حِمْيَر.
خامساً: حين وصل امرؤ القيس إلى اليمن، استنصر (أَزْدَ شنوءة)، فرفضوا نصرته. وهنا اتجه إلى مَرْثد الخير بن ذي جَدَنْ الحِمْيَري ، وكانت بينهما قرابة، واستمدّه على بني أسد، فأمدّه بخمسمائة رجل من حَمْيَر، لكنّ مرثد الخير مات قبل رحيل امرئ القيس بهم، وجاء مكانه رجل آخر، يدعى قَرْمَل بن الحميم ، فأنفذ له ذلك الجيش، وتبعه شُذّاذ من العرب، واستأجر من قبائل العرب رجالاً، فسار بهم إلى بني أسد. ومرّ بتهامة، وبها صنم للعرب، يقال له: ذو الخَلَصة ، فاستقسم عنده بقداحه، وهي ثلاثة: الآمرُ، والناهي، والمتربّص. ثمّ أجالها، فخرج الناهي، ثلاث مرّات. فجمعها وكسرها ورماها في وجه الصنم، وقال: مَصِصْتَ بَظرَ أُمّك، لو قُتل أبوك، ما عُقْتني . ثمّ خرج، فظفر ببني أسد.
سادساً: وقالوا: إنّ المنذر ، ألحّ في طلب امرئ القيس، ووجه الجيوش في طلبه، وتفرّقت حِمْيَرُ ومن كان مع امرئ القيس. فنجا عصْبةٌ من بني آكل المُرّار، حتى نزل بالحارث بن شهاب من يربوع بن حنظلة، ومع امرئ القيس أدراع خمسة: الفَضفاضة والضافية والمُحصَّنة والخربق، وأُمّ الذيول ، كنَّ لبني آكل المُرّار يتوارثونها ملكاً عن ملك. فقلّما لبثوا عند الحارث بن شهاب، حتى بعث المنذر مائة من أصحابه يُوعده بالحرب، إنْ لم يُسلّم إليه بني آكل المُرّار، فأسلمهم. ونجا امرؤ القيس وابنته هند ، ويزيد بن معاوية بن الحارث، والأدرُع والسلاح ومالُ كان بقي معه، فخرج على وجهه، حتى وقع في أرض طيء، وقيل: بل نزل قبلهم على سعد بن الضّباب الإيادي، فأجاره. ثمّ تحوّل عنه، فوقع في أرض طيء، فنزل برجل من بني جديلة، يُدعى: المعلّى بن تيم (بنو تيْم مصابيحُ الظلامِ). ثمّ لجأ إلى بني نبهان من طيء. ثمّ خرج امرؤ القيس، ونزل بعامر بن جُوَيْنْ، وهو أحد الخُلَعاء الفُتّاك قد تبرّأ قومه من جرائره. ثمّ لاحظ امرؤ القيس بعد فترة أنّ عامر بن جَوين، يريد أن يغدر به، لهذا تغفّلهُ، وانتقل إلى رجل من بني ثُعَل ، اسمه: حارثة بنُ مُرّ، فاستجار به.
سابعاً: وقعت الحرب بين طيء من أجل امرئ القيس، فخرج، ثمّ نزل برجل من بني فزارة ، يقال له: عمرو بن جابر بن مازن، الذي قال لامرئ القيس: كدتَ بالأمس تؤكل في دار طيء، وأهل البادية، أهل بَرّ، لا أهل حصون تمنعهم. أفلا أدلّك على بلد، فقد جئتُ قيصر، وجئتُ النعمان، فلم أر لضيف نازل ولا لمُجتدٍ مثله ولا مثل صاحبه ، فقال امرؤ القيس: من هو؟ قال: السموأل بن عادياء، بتيماء. فصحب امرأ القيس، رجل يدعى الربيع بن ضَبُع الفَزاري ، وقال له الفزاري: السَمَوْأول يعجبه الشعر. وهنا يشير صاحب الأغاني إلى المساجلة الشعرية بين امرئ القيس، والفزاري، التي قيل إنّ امرأ القيس قال قصيدة مطلعها: طرقتكَ هندٌ بعد طول تجنُّبِ ، ويضيف صاحب الأغاني : وهي قصيدة طويلة، أظنها منحولة، وما دوّنها في ديوانه أحدُ الثقات... وأحسبُها ممّا صنعه دارم بن السموأل . ثمّ وصلوا إلى السموأل، حيث طلب امرؤ القيس من السموأل أن يكتب له إلى الحارث بن أبي شَمِر الغسّاني بالشام ليوصله إلى قيصر، فاستنجد له رجلاً، واستودع عنده المرأة والأدراع والمال، وأقام معها يزيد بن معاوية بن الحارث، ابن عمّ امرئ القيس. ومضى حتى انتهى إلى قيصر.
ثامناً: استقبل القيصر امرأ القيس: فقبله، وأكرمه، وكانت له عنده منزلة . ثمّ اندسّ رجل من بني أسد، يقال له الطمّاح ، كان امرؤ القيس، قد قتل أخاً له من بني أسد، حتى أتى إلى بلاد الروم مستخفياً، ثمّ إنّ قيصر، ضمّ إليه جيشاً كثيفاً، وفيهم جماعة من أبناء الملوك، فلمّا فصل، قال لقيصر قوم من أصحابه: إنّ العربَ قومُ غدْرٍ ولا تأمن أن يظفر بما يريد، ثمّ يغزوك بمن بعثتَ معه . وقيل: إنّ الطمّاح الأسدي، قال لقيصر إن امرأ القيس: كان يراسل ابنتك ويواصلها، وهو قائلٌ في ذلك أشعاراً يُشهّرها بها في العرب، فيفضحها، ويفضحك . فبعث إليه حينئذٍ، بِحُلّةً منسوجة من الذهب ومسمومة.. الخ القصة، حيث مات مسموماً، ورأى قبر امرأةٍ من بنات الملوك ماتت هناك، فدفنت في سفح جبل عَسيب ، فسأل عنها، فأخبروه بقصّتها، فقال:
أجارتنا إنّ المزار قريبُ
إنّي مقيمٌ ما أقام عَسيبُ
أجارتنا إنّا غريبان ها هُنا
وكلُّ غريبٍ للغريب، نَسيبُ
وهكذا، فقد احتُضر امرؤ القيس في بلدةٍ من بلاد الروم، تدعى أنقِرة ، ومات، ودفن إلى جانب المرأة في جبل عسيب. ثم يروى أبو الفرج الأصفهاني، قصصاً ذات طابع شعبي أسطوري عن امرئ القيس، منها، قصة: آلى امرؤ القيس ألاّ يتزوَج امرأة حتى يسألها عن ثمانية وأربعة واثنتين... الخ القصة ، أو قصة: مفاوضات امرئ القيس وقبائل بني أسد . وقد تكون قصة مقبولة.
مُلاحَظات
أولاً: يمكن تقسيم المفاصل الرئيسة التي تحكم سردية امرئ القيس، على النحو التالي: 1. مقتل حُجْر والد الشاعر . 2. الشاعر اللاهي المُدلّل الوسيم دارةُ جُلجُل - فاطمة - مجموعة من الشُّذّاذ والخلعاء تعيش في كنفه كندماء . 3. الجملة المركزية اليوم خمرٌ وغداً أمْر ، التي تعلن حالة الانفصال والتحوّل عن المرحلة الأولى. 4. الارتحال بين القبائل العربية من أجل طلب نصرته. 5. التحالف والصراع العربي - الفارسي: الحارث بن عمرو، جدّ امرئ القيس المنذر بن ماء السماء هند عمّة امرئ القيس . 6. قضية السموأل بن عادياء: السموأل - ابن السموأل الحارث الغسّاني . 7. الطريق إلى قيصر الروم: عمرو بن قميئة، مرافق امرئ القيس - القيصر وابنته مؤامرة الطمّاح الأسدي - الحلّة المسمومة أنقرة وعسيب .
هذه هي الخطوط الرئيسة في سردية ابن قتيبة. أما الرواة الذين نقل عنهم ابن قتيبة، فهم: لبيد بن ربيعة ابن الكلبي ابن عبد الله الجمحي يونس النحوي أبو عبيدة ، وهو لم ينقل عنهم إلاّ القليل. ونقل ابن قُتيبة قصة دارة جُلجل ، ببعض من التفصيل عن محمد بن سلاّم عن الفرزدق، لهذا رأى بعض المستشرقين أن قصة دارة جُلجُل من اختراع الفرزدق، والصحيح أن هذه القصة موجودة قبل الفرزدق، فهي أصلاً موجودة بكل صورها الشعرية في نصّ المعلّقة قفا .. نبك ، فكيف يكون الفرزدق المتأخر قد اخترعها!!. وإذا أردنا أن نقوم بعملية فرز الأسطوري عن الواقعي في سردية ابن قتيبة، فنحن نقدم هذه الملاحظات:
1. في علاقة امرئ القيس بأبيه، يمكن أن نوافق على مسألة كره أبيه الملك حجر لمسألة تشبيب امرئ القيس بالنساء، ليس لأن امرأ القيس لا يجوز أن يكتب الشعر، لأنه ابن ملك، فالمسألة تتعلق بمجون امرئ القيس في شعره. أمّا ما يمكن حذفه، فهو قضية الجؤذر الأسطورية. كذلك يمكن أنْ نوافق على مسألة طرد حجر لابنه المُدلّل اللاهي.
2. في مسألة قصة السموأل : نحن نعتقد أن تفاصيل هذه القصة من الإسرائيليات ، أعادت نسجها طبقة شعراء اليهود في الجزيرة العربية، لأسباب عديدة، ونحن نلاحظ أنّ ابن قتيبة، أوردها في تسعة سطور، وقد تمّ الترويج لهذه القصة لإظهار صفة الوفاء عند السموأل، وعلى العكس من ذلك، فقد توسّع صاحب الأغاني في سردها، لهذا نؤخر مناقشتها إلى موضعها.
3. أما قصة الطمّاح الأسدي - الحلّة المسمومة ابنة القيصر أنقرة وعسيب ، فأعتقد أنه لا دخان بلا نار ، ولكنّ الأسطرة، قد تمّت في التفاصيل، ونحن يمكن أن نحذف منها:
- شخصية الطمّاح الأسدي الغامضة.
- قصة ابنة القيصر وعشقها لامرئ القيس، بصفتها سبباً في غضب القيصر!
- نصّ الرسالة التي أرسلها قيصر الروم إلى امرئ القيس مع الحُلّة المسمومة.
- قصّة قبر عسيب: الشكّ هنا في موقع المكان.
ثانياً: أمّا سردية الأصفهاني: فهي تتألف من العناصر نفسها مع توسّع كبير، يدخلنا في التفاصيل، وفيما يلي بعض الملاحظات:.
1. تبدأ الأسطرة منذ البداية، حول تسمية جدّ امرئ القيس آكل المُرّار ، فالاعتراض ليس على التسمية، بل على أسباب التسمية التي تتعلّق بقصة الحارث بن جبلة الغسّاني، وهند زوجة حجر آكل المُرّار .
2. تتشابه قصة قتل عِلباء بن الحارث الكاهلي، للملك حُجْر والد الشاعر من زاوية السبب مع قصة السبب الذي دفع الطمّاح الأسدي للتآمر بقتل امرئ القيس: فالاوّل كان حجْر قد قتل أباه ، والثاني: كان امرؤ القيس قد قتل أخاً له !!
3. هناك تفاصيل في قصة مقتل حجر، مثل: ورد تعبير طعنه، ولم يجهز عيه ، هذا التعبير جاء لتبرير رسائل أرسلها حجْر في الوقت المخترع قبل الوفاة، لتمرير قصة طلب حجْر من أولاده بأن يأخذوا بالثأر!!. والرواية ليعقوب ابن السّكّيت!!.
4. حكاية الصنم: ذو الخَلَصة ، حكاية ذات صدقية عالية، لأنها تتعلق بالثقافة الدينية الوثنية، وتمرّد امرئ القيس عليها، حيث يبدو عقلانياً.
5. يفصّل الأغاني قصّة السموأل بتوسع كبير. فالمسألة بدأت من بني فزارة ، وتحديداً من شخص يدعى عمرو بن جابر بن مازن الفزاري ، صاحب الاقتراح على امرئ القيس أن يلجأ إلى السموأل، بسبب متانة حصنه في تيماء، ولأنّه، أي السموأل، جاسوس القيصر . أمّا الحارث الغسّاني ، فهو الوسيط التابع سياسياً لقيصر. وفي سردية ابن قتيبة، يكون الحارث الغسّاني نفسه، ذلك المُستغل لسوء أحوال امرئ القيس، حيث حاول اغتصاب الدروع والأموال من السموأل. هكذا كثرت السكاكين العربية اليهودية على رقبة امرئ القيس، فالصراع بين السموأل بن عادياء (اليهودي)، والحارث بن شَمِر الغسّاني (العربي)، كان على ميراث امرئ القيس الماديّ. وبقي أمام امرئ القيس، اللجوء إلى إحدى القوى العظمى في العالم القديم: الفرس أو الروم. وبما أنّه كان على علاقة سيئة بالمنذر بن ماء السماء (زوج عمّته هند)، الذي أرسل مائة من أصحابه لقتله، لأسباب تتعلق بعلاقة الحارث بن عمرو ، جدّ امرئ القيس بالمزدكية، التي حاربها كسرى أنوشروان، لهذا كلّه لجأ إلى قيصر الروم القوة العالمية الأخرى . أمّا مسألة موافقة السموأل على قتل ابنه وفاءً!! لامرئ القيس، فقد أوردها ابن قتيبة، ولم يذكرها الأصفهاني. فهل يُعقل أن يوافق الأب على قتل ابنه، حتى يحتفظ الأب بالأموال والدروع!!. هذا أمرّ مخالفٌ للفطرة البشرية. وهل يمكن أن يوافق الأب على هذه الجريمة بحقّ فلذة كبده من أجل عيون امرئ القيس!!. القصة بتقديري، صحيحة، لكنّ التفاصيل أسطورية، ويُعزّز هذا الشكّ، أمران آخران:
أولاً: إنّ الراوي لقصة السموأل كلّها، هو دارم بنُ عقال ، أحد أحفاد السموأل نفسه، وعنه نقل الأصفهاني.
ثانياً: في المساجلة الشعرية بين الربيع بن ضبع الفزاري، وبين امرئ القيس، وردت قصيدة امرئ القيس طرقتكَ هندٌ.... . وهي كما يقول صاحب الأغاني منحولة ، أي ليس لامرئ القيس. أما من يقف وراء هذا التزوير، فإنّ صاحب الأغاني يقول حرفياً: وأحسَبُها ممّا صنعهُ دارم ، لأنّه من وِلد السموأل .
6. لقد عولجت قصة علاقة امرئ القيس بالقيصر، بعقلية أسطورية. ورغم أن المراجع العربية كلّها، تُجمع على أنّ امرأ القيس بعد أن حوصر بالغدر والخيانات، لجأ إلى قيصر الروم، وأنه مات عام 565 م، أي قبل ولادة الرسول محمد (ص)، 571 م، بستّ سنوات، ومات امرؤ القيس أيضاَ قبل نزول القرآن، بحوالي 45 سنة. ومعنى ذلك أنّ امرأ القيس، لجأ إلى قيصر الروم مجبراً، بسبب الوضعية العربية المُزْرية، حيث سادت سياسة الاستقواء بالخارج : الروماني، أو الفارسي، لهذا جاءت ثورة الإسلام في زمانها الطبيعي، ومعنى ذلك أيضاً أنّ امرأ القيس، كان قريباً من الفترة الإسلامية زمنياً، أي أن ثقافته اللغوية، كانت قريبة زمنياً من لغة القرآن، وليس من المعقول أن تطرأ ثورة لغوية منقطعة تماماً عن الشعر الجاهلي في زمن محدود كهذا.
وقد أشرنا سابقاً إلى ما يفترض أن يحذف من أساطير في تفاصيل رحلة امرئ القيس حتى مقتله بمؤامرة تسميمه، بطريقة أو بأخرى. وأعتقد أنّ قصة موته التراجيدي في أنقرة، أو أي مكان في بلاد الروم، فالنتيجة واحدة: مات مسموماً على يد القيصر نفسه، أمّا جبل عسيب، فهو بهارات أسطورية، أضيفت لاحقاً، لأنّ الجبل حقيقي، يقول الأصمعي: عسيب، جبلٌ لهُذيل ، أمّا الجغرافيون، فيقولون: هو جبلٌ في أعالي نجد . وبالتالي، فإنّ جمع عسيب مع أنقرة، غير منطقي، لكن عسيب، أضيف للقصة، لكي يتناسب مع قصّة المرأة وقبرها، المجاور لقبره المفترض في أنقرة. والثابت أنه مات قتيلاً في المنفى، بمؤامرة من القيصر نفسه، الذي ذهب امرؤ القيس، طالباً المساندة من أجل استرداد ما اُغتُصب منه، بعد أن حاصره عربٌ ويهود. أمّا إذا كان قد مات في جبل عسيب، فمعنى ذلك أن قصّة رحيله إلى القيصر، مخترعةٌ هي الأخرى، لأنّ عسيب موجود في بلاد العرب، وأنّ الطمّاح الأسدي، الذي صاغ المؤامرة بالتواطؤ مع القيصر، لم يغادر أرض العرب، فقد تكون القصّة كلها من اختراع بني أسد!!.
7. نعتقد أنّ اللغة الكنعانية الفسطينية السينائية، هي أوّل أبجدية في العالم، تفرّعت منها اللغة الآرامية السريانية ، ومنها ولدت اللغة النبطية ، التي تطورت لاحقاً، وربما هي لغة القرآن المتطورة بعد أنْ امتزجت باللغة الجنوبية. ويرى يحيى عبابنة، أنّ الخطّ النبطي، هو الصورة الأولى للخط العربي (12). ويرى إحسان عبّاس أنّ الأنباط: اكتشفوا حاجتهم الماسّة إلى الكتابة، وكانت اللغة السائدة يومئذ هي الآرامية، فكتبوا بها المعاملات، وظلّوا يستعملون لغتهم العربية النبطية ، وهي تشترك مع العربية الشمالية في ظواهر عديدة. ويكاد الباحثون يتفقون على أن الحرف العربي، إنما اشتقّ من الحرف النبطي. ولعلّ تعرفهم على الكتابة، لم يكن قبل النصف الثاني من القرن الرابع قبل الميلاد، إذْ أنّ أقدم تاريخ استعملوه، هو سنة 312 ق.م. وظلّت الآرامية هي لغة الكتابة بعد أن سقطت دولة الأنباط لمدة مائتي سنة، ثمّ نسوها، وبدأوا يكتبون العربية بحروف آرامية، غير أنّ الآرامية المحكية ، التي استعملوها، لم تكن آراميةً خالصة، بسبب سيطرة العربية، حيث تسرّبت الصيغ والألفاظ العربية إلى نقوشهم (13).
فاللغة النبطية، هي خليط من الآرامية الكنعانية، والعربية (اللهجية)، امتزجت مع العربية الجنوبية، فولدت اللغة العربية: لغة الشعر الجاهلي، ولغة القرآن. أمّا لماذا تمّت الكتابة للنقوش والمعاملات، ولم يتم تدوين الشعر، فقد يرجع هذا إلى سيادة الشفهي في التقاليد الشعرية. وإذا كانت بداية الكتابة عند العرب هي عام 312 ق.م، فهو تاريخ يتوازى مع تاريخ انتشار المسيحية بين العرب، على عكس نظرية مارغليوث. ويبقى بعد ذلك كله، أن نطرح احتمالاً، مُعاكساً لأطروحة المستشرقين حول ازدواجية اللغة عند الأنباط: يتكلمون بالعربية النبطية، ويكتبون بالآرامية ، وهي أطروحة شائعة، ينقلها الباحثون العرب بكل طمأنينة أي: ما دامت اللغة النبطية 22 حرفاً، قابلة للكتابة، فلماذا لا يكون الأنباطُ قد كتبوا بها نصوصهم، وأنّ المراسلات والسفارات مع الروم، كُتبت بالآرامية... فالمسألة تتعلق أولاً وأخيراً بكمية المكتشفات، وهي قليلة حتى الآن! فالاحتمال الأكبر، هو أنّ النبطية المتطورة، هي: صلة الوصل بين الآرامية الكنعانية، ولغة الشعر الجاهلي والقرآن.
الهوامش
(11) أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني ، ج 9، شرحه: عبد علي مهنّا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1986، ص 93-126.
(12) يحيى عبابنة: اللغة النبطية، دار الشروق، عمّان، 2002، ص 21.
(13) إحسان عباس: تاريخ دولة الأنباط، دار الشروق، عمّان، 1987، ص 24-25.
* شاعر فلسطيني