أنتِ ابنة عبد غزالة إذن! .. بقلم : يوسف عبد العزيز

أنتِ ابنة عبد غزالة إذن! .. بقلم : يوسف عبد العزيز

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 21-9-2007

في مثل هذه الأيّام من العام 2000 عدت إلى حيفا، لكن ليس من أجل البحث عن الابن الذي كان ضائعاً وأصبح جنديّاً في جيش القتل الصّهيوني، كما حدث مع بطل رواية غسّان كنفاني (عائد إلى حيفا)، ولكن من أجل أن أُطِل على تلك المدينة الحلميّة إطلالة اليتيم. أنا يتيم فلسطين قلتُ أعبّئ عينيّ برؤية المدينة، وأشرب بهما النّار التي تتصبّب من فخذ البحر القريب. ترى هل كنتُ عائدا إلى حيفا حقّاً، أم إنّني ارتطمتُ سهواً بغزال الحنين فَرُحت أنشج وأولوِل وأزدرد على مهلٍ صورته اللذيذة المشتهاة!.
بصحبة الشاعر الفلسطيني سليمان دغش ابن قرية المغار انطلقت رحلة المصلوبين الجدد في درب الآلام الجليلية. مدفوعين بقوّة الحبّ رحنا ننهب الطّريق، ونبقّع غلالة العشب بدمع غزير. بعد قليل سنصل حيفا، وسنكون للمرّة الأولى وجهاً لوجه مع تلك المدينة الآسرة التي طالما حلمنا برؤيتها. ما بين النّاصرة وحيفا مررنا على تلك القرى العامرة بسكّانها العرب الفلسطينيين. في هذه الأثناء لم نشاهد مستعمرة صهيونية واحدة. كانت كلّ قرية تمسك بذراع أختها وتحرس الأرض من السّوس الصّهيوني الذي رمت به أوروبا في فضاء فلسطين. قي قرية سخنين الجليلية توقّفنا عند النّصُب التّذكاري الذي أقامه الفنّان عبد عابدي، وقرأنا الفاتحة على أرواح الشهداء الذين سقطوا في يوم الأرض الأوّل العام 1976.
في إربد كنّا أخذنا عنوان أبو النّمر ، أحد أقارب زوجتي الحيفاوية الذي ظلّ مقيماً في حيّ وادي النّسناس منذ العام 1948. كانت فكرة اللقاء بأبي النّمر فكرة عبثية من أساسها، فأبو النّمر يشبه نقطة في بحر. قلت لزوجتي: إنّنا سنحتاج إلى أسابيع عدّة حتى نعثر عليه! قالت: في مثل هذه الحالة أتبع رائحة السّلالة، ولا بأس أن أستخدم الحدس، وتابعت: هو ابن عمّ والدي، إذن سيكون شديد الشّبه به، وسأتعرّف إليه من بين جميع سكّان حيفا.
شيئاً فشيئاً أخذت الطّريق تعلوا بنا. شيئاً فشيئاً صارت السّماء قريبة، والهواء المرهف السّاحر يلعب، لكأنّنا أمام معراج سماويّ آخر، هجستُ، وتذكّرت مرّةً أنّني سألت الشّاعر محمود درويش عن ذلك الهواء الذي يتحدّث عنه في إحدى قصائده حين قال: والهواء يُرى ويُأكَلُ مثل حبّ التّين . يومها داعبني درويش، وقال: احزر . قلت له: لا بدّ أن يكون هذا الهواء هو هواء الجليل . هو بالضّبط كذلك ، قال درويش، وخُيّلَ إليّ أنّه أصبح يهتزّ مثل غصن دالية بفعل ذلك الهواء. تلك الطريق المتعرّجة الضّيّقة ظلّت تنفتح أمامنا، واستمرّ صعودنا. كنّا لا نرى شيئاً وراء أكمة الأشجار الكثيفة، وفجأة أوقف سليمان العربة، وقال: انظر.. هذه هي حيفا . نظرت فإذا بالمدينة العظيمة تلألأ في سريرها المائيّ مثل ملكة. رأيت ذلك المشهد وطار صوابي. كأنّي أحلم رحتُ أصوّب عينيّ باتّجاه ذلك الألق الذي يتبجّس تحتنا، وأعالج لحظة الذّهول تلك بالصّمت. في الواقع كنت خائفاً أن يُفسِد قلبي عليّ جماليّات ذلك الطّقس، فيقفز على حين غِرّة منّي وينفجر مثل قنبلة يدويّة. قال سليمان: نحن الآن في أعلى نقطة من جبل الكرمل، ولا بدّ للدّاخل إلى المدينة من أن يستأذن السّماء . قلت لسليمان: أولاد الكلب لم يستأذنوا السّماء ولا الأرض حين تناهبوا جسدها ذات حرب وملأوه بالحرائق. ما شأنهم بنا؟ ما شأنهم بمدينة وادعة مثل حيفا؟ أيّة مكائد نصبوها لنا من أجل أن يسحبوا الأرض من تحت أقدامنا، ويقذفوا بنا في سلال من المهملات اسمها المخيّمات، كي تكون بديلاً غير منطقي عن الوطن! .
في تلك اللحظة تذكّرت كلام القاتل الذي يبتسم دائماً أمام الكاميرات. القاتل الذي لا يرفّ له جفن شمعون بيرس حين يسأله الصّحفيّون عن مسلسل حرب الإبادة التي تقوم به إسرائيل ضدّ الشّعب الفلسطيني يردّد كالببغاء كلام سلفه في القتل حاييم وايزمن ويقول ماذا يمكن أن يفعل اليهوديّ الذي يسكن الطّابق الثالث حين تشبّ النّار في بيته غير أن يقفز هارباً من الحريق؟ لقد سقط اليهوديّ الهارب بالصّدفة على الفلسطيني الذي كان يعبر الطريق في تلك اللحظة. ما ذنب اليهوديّ يقول الحاوي المفضوح شمعون بيرس!.
من قمّة الكرمل ابتدأ الهبوط. لم أستطع تحمّل كلّ ذلك الجمال الطّاغي الذي أصبح يهبّ علينا بشدّة وينادينا فانخرطتُ في نوبة بكاء مريرة. عجزت عيناي عن الرّؤية فقد أصبحتا مجرّد ميزابين تتصبّب منهما الدّموع. لقد خانتني عيناي في منعطف الرّحلة الأخطر، وتمنّيت لو أسملهما وأضع صرارتين مكانهما! غير أنّني سرعان ما تركتهما وعالجت المسألة على طريقتي: لقد تحوّل جسدي كلّه إلى عين كبيرة تتأمّل. ما من بيت رأيته إلاّ وحفرت له مكاناً ودسسته في أرضي الصّغيرة أعني جسدي. ما من شجرة صادفتها إلاّ وزرعتها في سفح قلبي. ما من حصاة، ما من عشبة، ما من حبّة رمل إلاّ وأخذتُها معي. في لحظة واحدة اختفت المدينة من الوجود، في لحظة واحدة صرت مدينة ببيوت وشوارع وتُقمّط خصرها بالماء. صحوت من غيبوبتي، وقلت لسليمان: أين أنا يا صديقي؟ ، قال لي: أنت في الحقيقة والخيال معاً . عاتبته: هل تراني أحضر فيلم سينما، انظر هذه هي حيفا وهذا هو أنا، ونحن هنا هنا هنا .
مثل عائلة أشقياء تجوّلنا في المدينة، وعلى الأصحّ مثل عائلة دمّرها الحنين، لكن ما الذي يمكن لنا أن نفعله ونحن نسقط من دون مقدّمات على الحلم الذي عاش في الرّأس سنين طويلة؟ ما الذي يمكن أن يفعله الواحد حين يصير أمام حيفاه؟ خذنا إلى وادي الصّليب، خذنا إلى الهادار ، هتفت حيفا المرأة لسليمان - وكنت قد أطلقت عليها هذا الاسم منذ اللقاء الأوّل بها أوائل الثّمانينيّات من القرن الماضي - وأضافت: بي رغبة أن أستعيد مشاوير أمّي وطقوسها القديمة وهي تمضي ببنطالها البرمودا لحضور حفلة أم كلثوم في صالة السّينما . أثناء ذلك التّجوال تذكّرنا أبو النّمر. هتف سليمان: يا ويلكم من الله، نسيتم الزّلمة! .
وهكذا فقد مضينا باتّجاه حي وادي النّسناس الذي ظلّ حيّاً عربيّاً مأهولاً بسكّانه الأصليّين. بلا عناء تقريباً وفي أقلّ من ربع ساعة كنّا أمام منزل أبو النّمر . فتحت لنا الباب صبيّة في العشرين من عمرها، قالت: أنا ابنته فيروز، تفضّلوا إلى المرسم، فبابا هناك . تمشّينا في ممرّات محفوفة بالأزهار، وصعدنا درجات قليلة ثمّ دلفنا إلى المرسم، فاستقبلنا رجل في السّبعينيّات من عمره وقال مرحّباً بنا: أهلاً وسهلاً . قلنا له: نحن جئنا من عمّان لزيارة الضّفة. الكلّ في عمّان وإربد يهديك السّلام . قال أبو النّمر: ابنة من أنتِ يا عمّي؟ ، أجابته حيفا وأعطته بعض المعلومات عن أبيها وعائلتها، غير أنّ أبو النّمر ارتبك، ومن حقّه أن يرتبك خاصّةً وأنّ أقاربه الذين غادروا أو الذين ظلّوا تزوّج الواحد منهم أكثر من امرأة وأنجب أعداداً هائلة من الأبناء والبنات. أبو النّمر لم يعرف قريبته حيفا فقام وأحضر لها ألبوم صور. حيفا صارت تتأمّل الصّور، وفجأةً وقع بصرها على صورتين لأختيها الكبيرتين. قالت له: هاتان أختاي . أبو النّمر شهق على الفور، وهتف من أعماقه بفرح كمن عثر على كنز: آه لقد عرفتكِ، أنت ابنة عبد غزالة ، وانخرطنا في نوبة بكاء ثانية.
* شاعر أردني
[email protected]

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }