وزير الثقافة يحاضر عن استحقاقات العولمة ومتطلبات الأمن الوطني

وزير الثقافة يحاضر عن استحقاقات العولمة ومتطلبات الأمن الوطني

عمان - إبراهيم السواعير - خالف وزير الثقافة د.صلاح جرار القول إنّ الاقتصاد هو محور حركة الكون وعماد كلّ جوانب الحياة في المجتمعات؛ مصححاً التصوّر الذي وصفه بـ(الواهم)؛ واجداً (الثقافة) العنصر الأهمّ، الضّامن لتماسك المجتمع، المحقق لمنعته، المؤثر في سائر أوصاله.وقال، في محاضرته (الثقافة بين استحقاقات العولمة ومتطلبات الأمن الوطني)، التي ألقاها صباح أمس في كلية الدفاع الوطني، إنّ سبب هذا التصوّر هو سيطرة المتغيرات الاقتصادية في العالم صعوداً وهبوطاً، محذّراً من الإذعان لحتمية تأثير الاقتصاد على جوانب الحياة كافّة؛ فيتم بهذا الإذعان تحقيق الهدف الرئيس للعولمة: إقصاء دور الثقافة والتعليم في حياة الشعوب، وهو ما يقف وراء تراجع الأمة العربية على أكثر من صعيد.وعلل جرار، الذي كان أصدر كتاباً في السياق بعنوان (الجدار الأخير: نظرات في الثقافة العربية)، تنكّرَ صانعو الاستراتيجيات عندنا لدور الثقافة، اعتقاداً منهم بلامردود الثقافة القريب إذا ما قيست بالاقتصاد، شارحاً أن (الثقافة) ليست تجارةً، وتتصف بتراكمية أثرها في الفكر والوجدان والاتجاهات والانفعالات والانتماء والقيم، التي تصنع مواطنين منتجين، لا عالةً على دولهم، التي تصبح عالةً على غيرها، فتفقد بذلك كثيراً من ميزات استقلالها وحريّتها وصناعة القرار.وفرّق الوزير بين دول تستعجل قطف ثمار خططها قصيرة الأجل، ودول تخطط على الأمد الطويل، متخذاً من الذهنيتين العربية والاجنبية أنموذجين متقابلين يستحقان الدراسة، مهتمّاً بتخطيط التعليم والثقافة ضمن استراتيجيات بعيدة، استناداً إلى نتائج الفعل الثقافي التي لا تتأتى إلا بعد عمل مكثّف في مسارٍ طويل، فتمتد إلى مدى أطول.وانطلق من قاعدة الثقافة والتعليم ركيزةً للعلم والسياسة والاقتصاد وضامنة للنجاح، مستنتجاً استهداف الثقافة بأسلحة كثيرة، أهمها (العولمة) الرامية إلى تقويض (الأمّة)، متمثّلاً بحقب الاستعمار القريبة التي وجدت في الثقافة عامل قوّة يجب تدميره، ناصحاً بالتخلي عن النموذج الاستهلاكي، لصالح الأمن والوطن.عرّف الوزير الثقافة تعريفات شتّى، معتمداً تعريف اليونسكو بأنها (مجموعة السمات الماديّة والروحية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعاً بعينه أو فئة اجتماعية، وهي تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة، كما تشمل الحقوق الأساسية ونظم القيم والتقاليد والعادات(.وفهم جرار من ذلك عقائد المجتمع والقيم والعادات والتقاليد والمفاهيم السائدة واللغة والتراث والتاريخ والمنتج الفكري والعقلي والعلمي ورموز الأشخاص والمقدسات والآداب والفنون وأنماط التفكير والسلوك والمرويات الشفوية والأساطير والخرافات. ووقف الوزير على أن المحافظة على الثقافة بعناصرها إنما هي محافظة على هوية الأمّة في زمنٍ تُستهدف فيه الهويّات.كما وقف عند مفاهيم العولمة ورياحها، مناقشاً معنى (الغزو الناعم) الذي يتطلب (سلاحاً ناعماً)، ليس غير الثقافة بتخطيطها المدروس، يتصدّى لمفهوم العولمة، الذي قرأه جرار من شتيت تعاريفه السياسية والاقتصادية والثقافية، بوصفه يتجاوز سيادة الدولة القومية وخصوصية المجتمعات الثقافية بالوسائل الاقتصادية والتكنولوجية، فتكون سوقاً لرأس المال القويّ المتحكّم.استأنس وزير الثقافة بكتاب (فخ العولمة: الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية) لهانس بيتر مارتن وهارالد شومان، في القول بالتشابكات الاقتصادية ذات الطابع العالمي غير طبيعية الحدث، بل نتيجة حتمية خلقتها سياسة معينة بوعي وإرادة، جعلت من الحكومات والبرلمانات توقع الاتفاقيات وتسنّ القوانين وتلغي الحدود والحواجز.لم ينكر جرار فوائد حملتها العولمة للدول في الاتصال السريع المذهل والمعرفة الكونية الهائلة، لكنها لا تقاس بما جلبته من شرور وأخطار يمكن التنبؤ بها على المدى الطويل، إذا وجدت التخطيط الخبيث في إضعاف السيطرة الحصرية للدولة على رقعتها الإقليمية واختزال القدرات على السيطرة والمجانسة الثقافيتين.ورأى الوزير أنّ إشكالية التجانس الثقافي تزداد تعقيداً، نظراً لأنّ الثقافات القومية تغدو مجرّد واحدة من عدة ثقافات يشارك فيها الناس لأغراض متباينة؛ فتتفاعل الثقافتان (الكوزموبوليتية) والقومية، وتتقلص رقعة إمكان التجانس الثقافي التامّ، الحصري، وتغدو الثقافات القومية التي تستهدف الهيمنة على الأفراد الذين ينتمون إليها على نحو متزايد، مشاريع مقاومة للعالم وتراجعٍ عنه، كما أنّ النزعة القومية المنطوية على النفس والأصولية الثقافية، هي بصريح العبارة: سياسة الخاسرين»؛ إذ تسهم وسائل الاتصال العالميّة في خلق مجموعة من الثقافات الكوزموبوليتية، النخبوية والشعبية، والعلمية والفنية المرتبطة بوسيط اللغة الإنجليزية كلغة شاملة وليس قومية.رصد د.جرار في محاضرته أخطار العولمة على الدولة والثقافة القومية، وهي الأخطار التي قال بها بول هيرست وجراهام طومبسون في كتاب (ما العولمة؟!)، وتمثلت بفقدان الدولة سيطرتها على الأفكار والمعتقدات وجدوى تشريعاتها على مطبوعاتها ووسائل المعلومات، وهو ما يمثل فقداناً حقيقياً لجزء من سيادتها وأمنها، ووجود الثقافة العالمية إلى جانب الثقافة القومية المحليّة بما بينهما من تنافس، ومنافسة (الإنجليزية) اللغة القومية، وإضعاف الثقافات القومية بالتهميش والذوبان.انتقل د. جرار نحو ضامن الهوية الثقافية المهم في وحدة المجتمع وتماسكه وأمنه، مبيناً استغلال الدول المهيمنة الشعوبَ والثروات بالتأليب وخلق الصراعات وتفكيك العناصر والبنى الداخلية، فضلاً عن إلغاء الخصوصية الفردية والنفاذ إلى سرية المعلومات، بما في ذلك من خدمة للتجسس على دول بغير غطاء أمام نواظر الأعداء.وعاد وزير الثقافة على الثقافة الوطنية ضامناً رئيساً من ضوامن الأمن الوطني، منطلقاً من أن عناصر ثقافة المجتمع تمثل المشترك بين أبناء الأمّة، فكلما ازداد هذا المشترك ضَمِنّا تماسك المجتمع، كما أكّد د. جرار دور المثقف بما رآه من أن الأمّة إذا داهمتها أزمة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية اتجهت أنظارها نحو مثقفيها ومفكريها للتشخيص الصحيح وتقديم الحلول، وإذا تعرضت لتحديات تهدد الوجود استعانت بتراثها المخزون في صدور أبنائها لتوظفه في حضّ الأمة على الصبر والثبات والمواجهة وتستخدمه في رفع المعنويات واستنهاض الطاقات وتعزيز الثقة بالنفس والأمل بالنصر، مستثمرةً الذاكرة الجمعية والنماذج والرموز التاريخية لديها.واهتم الوزير بالعمل الثقافي شعراً وقصةً وروايةً ومسرحاً وفناً تشكيلياً وغناءً وموسيقا وتمثيلاً وسينما، معززاً الكثير من القيم الإيجابية التي تخدم الوطن في الإخلاص والانتماء والإيثار وتغليب المصلحة العامة، كما اهتمّ بالدافعية التي تخلقها الثقافة للمجتمع في التطوير والإبداع والبناء، فهي- الثقافة- كفيلة بزيادة الوعي وتوسيع الآفاق وتشكيل الضمير والوجدان.قدّم جرار آليات تواجه الاختراق الثقافي وخطره على الأمن الوطني، وتحمي الثقافة والأمن الوطنيين، تمثلت في وضع برامج وخطط ثقافية تهدف إلى تعزيز الكبرياء الوطني، بوصفه دافعاً عظيم التأثير لمواجهة التحديات، وتأسيس برامج ومشاريع ثقافية ذات أهداف ونتائج تتسم بالديمومة والاستمرار كالكتب والأفلام والموسوعات لضمان تأثيرها في وعي أبناء المجتمع ووجدانهم وسلوكهم، وتشكيل لجنة وطنية من متخصصين في التربية وعلوم الاجتماع والنفس والشريعة والآداب والتاريخ والدراما والسياسة تمنع العنف الطلابي بالخطط الواعية الموضوعية بالأساليب الثقافية، في ظل استراتيجية إعلامية دقيقة يشرف على وضعها وتنفيذها مختصون في الاجتماع والنفس والسياسة، تضمن رأياً عاماً يصب في خدمة المصلحة العامّة.كما اقترح تشكيل هيئة عليا من مؤسسات وطنية تناط بها مهمة الحفاظ على عناصر الهوية الوطنية وحمايتها والدفاع عنها، وتعزيز الدور الثقافي للجامعات الأردنية الرسمية والخاصة والمعاهد والكليات وسائر مؤسسات التعليم العالي، بهدف القضاء على العنف، وتوجيه عناية خاصة لدراسات المكان في ثقافته لتعزيز العلاقة بينه وبين الإنسان فيتعزز الانتماء للوطن وثقافته وتراثه.ورأى جرار ضرورة استحداث تخصص في الجامعات الأردنية يُعنى بالأمن الثقافي والتراث الشفوي والشعبي والحفاظ على الآثار ويعزز دور العادات والتقاليد واللغة والقيم الاجتماعية الحميدة ويتصدى لمحاولات تشويهها أو النيل منها، وعقد دورات لتدريب أصحاب المواهب في الآداب والموسيقا والمسرح والرسم والفنون والحرف والصناعات الشعبية والتراثية بما فيها من صقل للشخصيات وتهذيب للسلوك والتعاملات، وتوجيه العناية الخاصة لقطاعي الطفولة والشباب، وتفعيل دور الأعمال الغنائية والتمثيلية والأفلام السينمائية في تشكيل الرأي العام الوطني والضمير العام، والاهتمام بالفعل الثقافي المنتج أكثر من الفعل الثقافي الذي يزول أثره بمجرّد انتهاء عرضه.و نادى الوزير بأهمية توجيه الأعمال الثقافية اهتماماً خاصّاً لتعظيم مكانه القوانين في حياة الناس وتطوير هذه القوانين كلّما دعت الحاجة، ونشر برامج توعية تحثّ على تقبّل الرأي الآخر واحترامه والاعتراف بالتنوّع الثقافي داخل المجتمع، والعمل باستمرار من أجل تعظيم العناصر المشتركة بين أبناء المجتمع وقطاعاته المختلفة، لأنّ العناصر المشتركة هي عوامل توحيد للأمة، ووضع الخطط والبرامج التي تعزّز ثقة المواطن بنفسه وبقدرته، وثقة المواطن بالإمكانيات والطاقات الوطنية، والثقة بين قطاعات المجتمع، والعمل على نشر أشكال من الثقافات مثل ثقافة احترام الوقت، وثقافة ترشيد الاستهلاك، وثقافة الحوار، وثقافة التنافس البنّاء، وغير ذلك.وعظّم جرار فوائد احترام الحريّات الشخصية من فكريّة وتعبيرية وسواها ما دامت هذه الحريّات تقف عند حدود حريّات الآخرين، لأنّ الحريّة عاملٌ من عوامل الإبداع وتفريغ الاحتقانات التي تؤدي إلى التوتر، وبالتالي التقدم والنهضة، وضرورة توفير أكبر قدر ممكن من البنى التحتية للعمل الثقافي من مكتبات عامة ومسارح وصالات عرض سينمائي وقاعات محاضرات وندوات، لأنّ هذه البنى تجذب الناس وتقدّم لهم زاداً فكرياً وفنياً، وتسهم في تنمية عادات ثقافية نافعة كالقراءة وارتياد الندوات والمسارح.وختم بأهمّ ما ينبغي أن تسعى الثقافة إلى إيجاده ردّاً على الغزو الثقافي الذي يهدّد أمننا الوطني، وهو أن نعمل على أن يكون لنا منتجنا الثقافي أو الصناعي أو العلمي عابر الحدود، والذي يكون بعد ذلك علامةً فارقة لنا، ومنسوباً لوطننا ومختصاً بنا، والذي يصبح في زمنٍ قادم سلعةً لا يستغني عنها مستخدموها في أيّ مكان.