مجمعات الخردة والسكراب.. ملاذ لسرقات وتخريب طال الملايين

مجمعات الخردة والسكراب.. ملاذ لسرقات وتخريب طال الملايين

''كل شيء للبيع''.. هذا هو شعار العاملين في مجمعات السكراب، جيش من الباحثين عن الخردة، كالجراد ينطلقون منذ الصباح إلى أي مكان تتواجد فيه الخردة.
أطفال وشباب ورجال؛ كهول؛ ونساء امتهنوا هذه المهنة ويتسابقون على جمع مخلفات البيئة والعمران والنفايات والمطاعم والمشاغل... الخ. سيراً على الأقدام أو بدراجات هوائية أو بسيارات يتم تجميعها في محلات ومنازل ومستودعات للسكراب.

خردة النفايات

''الحاويات أصبحت مقصداً لكل الناس (...) بحثاً عن الخردة في كل يوم وحتى في كل ساعة''، ويضيف الشاب الجامعي محمد عليان والذي يعمل في هذا المجال مع اخوته منذ خمس سنوات: العملية العشوائية لجمع النفايات ولّت ويتم حاليا استخدام أساليب متقدمة في جمعها، برصد الحاوية وأهمية موقعها، والمواد المتواجدة فيها ما يتطلب الوصول إليها مبكرا''. وأضاف ان ''بعض الحاويات تتطلب وجودك عندها قبل الساعة الثانية صباحا(....) وأخرى يتطلب وجودك فيها بعد صلاة العشاء، وأخرى بعد صلاة الفجر. لدينا ثلاث سيارات لجمع الخردة يتم من خلالها تسجيل عدد الحاويات والتوقيت الذي يجب أن نصل إليه حيث يتم يوميا تفقد أكثر من ألف حاوية في احياء عمان (....) ليتحول عملنا في النهار إلى الأحياء والمناطق الواقعة خارج العاصمة''.
''عليان'' لفت إلى ان ''هذا العمل أصبح ملاذاً لكل من ليس له عمل، ويخلو من الضرائب والمخالفات ومفاصلة الزبائن، ويمكن اقتناص أشياء ثمينة من شراء الخردة والبحث في الحاويات، ما أدى إلى زيادة أعداد العاملين، ينتشرون ليلا لغزو الحاويات ورصدها قبل أن يقوم المواطنون برمي نفاياتهم والذي شكل سباقا علنيا ومحموما بين جامعي الخردة من جهة وبيننا وبين عمال النظافة من جهة أخرى''.

أي شيء.
.
سليم حمدان (66 عاماً)، من مخيم البقعة، اعتاد يوميا السير لأكثر من 30 كيلومترا بحثا عن العلب الفارغة والحديد والكرتون والصاج وصناديق الخضار والبلاستيك او أي شيء يجده قابلا للبيع او اعادة الاستخدام.
و.. ''حمدان'' يقوم بعمله منذ أكثر من 15 عاما، يجمع الخردوات ''كنت أجوب كافة المناطق المأهولة وغير المأهولة، بحثا عن مصدر رزقي الوحيد الذي اعيش عليه''. وأوضح أن ''العمل في التقاط الخردوات كان حتى وقت قريب مقتصرا على البعض، بسبب جهل المواطنين بالفائدة الاقتصادية من هذا العمل، وخجل العديد، حفاظا على النظرة الاجتماعية التي يعيشها البعض، والعيب الاجتماعي الذي يرى أن جمع النفايات عمل دوني''.

''هناك العديد من المنافسين'' ويوضح حمدان ذلك بقوله ''اشكال المنافسة نراها فيمن يلتقط الخردة، سواء المشاة على الأقدام أو الجمع بواسطة الحمير والخيل وأما بالأسلوب السائد والسريع ألا وهو استخدام البكبات والسيارات''.

أصحاب سوابق

يبيّن ''حمدان'' خطورة العمل بالخردة والتي ''أصحبت ملاذا لأصحاب السوابق واللصوص'' و''يقتحم بعضهم المنازل وورش البناء والعمارات الفارغة والساحات المكشوفة، ورصد المنازل التي تكون فارغة من سكانها، بحجة أنهم يبحثون عن الخردة''.
صاحب محل خردة السيد خالد جودة - في مخيم البقعة - قال ''منذ عشر سنوات؛ كان عملي يقتصر على جمع الأشياء الصغيرة، إلى أن فتحت ساحة سكراب مفتوحة على جانب المخيم، وتركت عملية الجمع لغيري''، كونت مجمعا كبيرا لجمع الخردة''. وأضاف ''اشتري طن الحديد بـ 150 ديناراً والصاج بـ130 ديناراً وهذا سعر الصاج الخفيف والتنك والبراميل الفارغة وغيرها من هذا المواد، ونشتري البلاستيك أيضا بـ160 ديناراً''. وكشف جودة أن:'' الأسعار ارتفعت عشرات المرات، مما كانت عليه قبل سنوات؛ بسبب شدة المنافسة بين كبار التجار والمصانع، حيث كنا نشتري طن الحديد بـ15 ديناراً فقط وهذا يعود إلى المنافسة الشديدة بين المصانع الثلاثة الكبرى في الأردن''. وبين ان ''هذه الأسعار قد أنعشت هذه التجارة ويعمل عندي فريق من العمال مكون من 25 عاملاً؛ مع اتساع العمل وزيادة العاملين به، حيث يقوم على جمع هذه الخردة حاليا أكثر من 25 سريحاً أي عمال يجمعون الخردوات من كل أنحاء المناطق''.
اجتذبت هذه المهنة ،عمال شركات وموظفين وطلبة جامعيين وعلى مقاعد الدراسة، ازدياد أعدادهم - بحسب جودة- جاء بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة والفقر الذي يعيشونه. وحول الخردوات المسروقة أفاد جودة أن ''الخبرة لدينا أفرزت السارق عن غيره، أخذنا نميز بين خردوات الأموال العامة مثل: الكوابل النحاسية وقارمات الطرق الارشادية وأنابيب المياه والمناهل وقطع السيارات والمولدات الكهربائية...الخ''.

خردوات مميتة

مدير شبكات الضغط العالي في شركة الكهرباء الوطنية عايد أبو صنوبر قال ''السرقة التي طالت أعمدة ربط الضغط العالي بين الجسور الرئيسية جعلت الشركة تفقد سنويا اكثر من200 طن حديد خالص وتم ضبط أجزاء من المسروقات''.
وأضاف أن ''السرقات تزداد يوميا وتحديدا في المناطق النائية وشكلنا لهذه الغاية دوريات متحركة، ومع ذلك أصبحت بعض الأعمدة مهددة بالسقوط، في حال استمرت مثل هذه السرقات'' واشار ابو صنوبر إلى أن ''سعر الطن من الحديد المورد للشركة يبلغ سعره 1400 دولار''. أما مدير شركة الكهرباء للتوزيع المهندس محمد فريحات فاكد أن شركته تتعرض ''لسرقه الأسلاك النحاسية وقضبان التجميع من المشاريع التي تكون قيد التنفيذ''، و''تمكن اللصوص من قطع أسلاك نحاسية عاملة بطاقة 33 ألف كيلو فولت، بلغت خسائر الشركة من السرقات السنوية للكوابل أكثر من 30 ألف دينار، إضافة للأخطار التي يتعرض لها السارقون أثناء عمليات قطع الكوابل''. وبين فريحات أن ''احد السارقين تمكن من سرقة كيبل الضغط العالي في منطقة ما وتم إصلاحه، إلا انه عاد مرة أخرى(....) ليلقى حتفه متفحما أثناء محاولته الثانية''. واوضح فريحات أن ''السرقات تذهب للسكراب، ويصعب كشفها؛ اذ يعمد اللصوص إلى حرقها وبيعها على شكل ''نحاس متلف'' بالكيلو وعلى الرغم من انه تم استبدال كوابل النحاس باخرى من الألمنيوم، يتابع المهندس فريحات أن ''كفاءة النحاس هي الأعلى في نقل التيار إلا أن السرقات قد تراجعت قليلا بسبب انخفاض ثمن الألمنيوم''.

سكراب اتصالات ضوئية

أما شركة الاتصالات فلم تكن بحال أفضل من الكهرباء، اذ بلغ حجم سرقة الكوابل أكثر من مليون دينار، شملت الكوابل والأعمدة والمناهل والخسائر الإنتاجية من تعطل العمل والاتصالات. وبهذا الشأن قال مدير إدارة الشبكات في الشركة المهندس حمدان الشورة إنها ''ظهرت قبل خمس سنوات، لتزداد تفاقما في كل عام، مع تكرر سرقة عدد من المواقع التي تعرضت سابقا للسرقة والتي وصل عددها خلال العام الحالي وحتى الأول من شهر أيار الماضي إلى 171 سرقة في الوقت الذي كان عددها خلال العام الماضي 272 سرقة وهذا مؤشر خطير''. وبين ان ''حالات السرقه الملحوظة برزت في محافظات المفرق وعجلون والكرك والطفيلة''.
واكد الشورة ان ''بعض القضايا تعدت السرقات إلى التخريب وكسر المناهل المجمعة لشبكات الاتصالات والقيام بحرقها وتحديدا شبكات الألياف الضوئية، والتي عطلت لأكثر من مرة عن محافظة معان حيث تم ضبط السارق او المخرب، وتحويله الى القضاء''.

تهديد السلامة العامة

مدير إدارة القسم المروري في وزارة الأشغال العامة صالح العبادي قال إن ''خسائر الأشغال العامة؛ بسبب سرقات اللوحات الإرشادية وصلت إلى زهاء 200 ألف دينار سنويا''، ''يتم سرقة أكثر من 30% من هذه اللوحات بعد تركيبها، الامر الذي يهدد السلامة العامة على الطرق''.. ونبه العبادي الي خطورة ذلك على امن وسلامة الطرق الخارجية. وبين أن ''احد المتعهدين وبعد أن قام بتركيب اللوحات الإرشادية على إحدى الطرق الدولية في جنوب المملكة، اكتشف أنها سرقت جميعها في اليوم التالي وكلفت المتعهد، خسائر فادحة''.
اما سرقة المصدات الحديدية المنتشرة على جانبي الطريق، لحماية المركبات من التدهور نحو المناطق المنخفضة والعميقة فاصبحت سرقة مألوفة، عدا عن سرقة مهبطات السرعة والتي يتم نزعها بواسطة عتلات مختصة. وأوضح العبادي ''خطورة مثل هذه السرقات على السلامة العامة وعلى خزينة الدولة حيث تبلغ تكلفة اللوحة الواحدة أكثر من 80 ديناراً وثمن كل مطب ''عين القط'' والتي يبلغ ثمن الواحدة أكثر من ستة دنانير''.
مدير العلاقات العامة في وزارة المياه عدنان الزعبي أكد أن ''اكثر من 30عملية سرقة تعرضت لها آبار المياه في المملكة، خلال العام الحالي وألحقت أضرارا كبيرة في عملية توزيع المياه وقطعها عن العديد من المحافظات والمناطق، وهي سرقات في ارتفاع ملحوظ، دون إيجاد رادع لها''.

حديد ونحاس

محمود الشريف صاحب شركة لإعادة تدوير النحاس قال ان ''مادة النحاس أصبحت مطمعا وذلك نتيجة ارتفاع أسعار النحاس عالميا''. وأضاف الشريف ''نشتري النحاس من كبار التجار ونطلب أوراقا منهم بمصدر شرائهم وتوضيحه (....) اذ يلجأ صغار جامعي الخردة لبيعه الى صغار التجار، ويتم تغيير شكله وحرقه ليصعب التعرف على مصدره''.
من جهته لفت مدير الشركة المتحدة لصناعة الحديد والصلب المهندس محمد الخرابشة الى أن السرقات تكون في مادة النحاس وان شركته تعرضت للسرقة والاحتيال من قبل أصحاب الخردة(.... )، فنحن نتعامل مع تجار كبار وتأتينا المواد مكبوسة وجاهزة ومن الصعب التمييز بين هذه المواد ومن أين مصدرها''.
ويعتقد الخرابشة ان ''السوق المحلي بحاجة ماسة الى الحديد الذيتنتج منه الشركة زهاء 100 ألف طن سنويا، مقابل حاجة السوق الفعلية التي قد تصل إلى 500 ألف طن''.
أما مدير البحث الجنائي العقيد جمال البدور الذي اقر بحجم وخطورة وتزايد مثل هذه المشكلة فقال ''إن كوابل شركات الاتصالات بمختلف أنواعها تتعرض للتعدي والسرقة بهدف الحصول على النحاس فيها وبيعها في أسواق المعادن السكراب، وامتهن هذا النوع من السرقات، أرباب السوابق والمشبوهون من الأشخاص غير عابئين بما تحدثه هذه السرقات من أضرار جسيمة على الاقتصاد المحلي والمواطنين''.
وكشف البدور عن أن ''جميع محلات السكراب غير مرخصة وغير متابعة من قبل الحكام الاداريين والتدقيق الأمني على أصحابها ومالكيها''. واكد البدور انه ''قبض على 97 شخصاً امتهنوا سرقات الكوابل والمناهل منذ بداية العام الحالي وحتى نهاية شهر أيار الماضي وهذا يدلل على ارتفاع أعدادهم مقارنة مع عام 2006 وفيها تم القبض على 83 شخصاً''. وبين ''تم توديع 100 قضية ''مكتشفة'' لسرقة الكوابل إلى القضاء، غالبيتها من مناطق البادية الشمالية والغربية ومحافظات المفرق وعجلون وجرش''.
وحول أسباب السرقات كشف البدور ''عدم جدوى العقوبة وصعوبة حراسة الكوابل الواسعة الانتشار والطمع في مادة النحاس لارتفاع اسعار بيعها في السوق المحلي وسهولة ارتكاب مثل هذه السرقات''.
وبين البدور أن ''من معضلات الحد من هذه السرقات هو التبليغ المتأخر عن الواقعة وعدم تبليغ البحث الجنائي وصعوبة تحديد مسرح الجريمة وعدم القدرة على حراستها وعدم متابعة القضايا القانونية بحق السارقين''.

الردع أم.. العقوبة؟!

الدكتور المحامي مصطفى ياغي لفت الى أن ''عقوبة السرقة قد تسلسلت بالمواد رقم 399 وحتى المادة 406 والتي حددت ظروف ونوع السرقة حتى يتم تحديد العقوبة التي سيتم إصدار قرار المحكمة بحقه وهذه العقوبات متسلسلة وفق هذه المواد والتي أدناها ثلاثة شهور وحدها الأعلى سبع سنوات وغالبا ما تأخذ الحدود الدنيا في مثل هذه السرقات''.
ويرى''ياغي'' أن ''العقوبات لا تكون في بعض الأحيان رادعة'' وطالب بتحويل مجرمي السكراب وسرقات الكوابل وغيرها ممن يقع ضمن ذلك؛ إلى مراكز دراسية لمعرفة خلفيتهم وظروفهم المعيشية ومعرفة الوضع الأسري لهم وحلها بطرق اجتماعية.
نائب محافظ العاصمة عبد السلام القاضي قال ان ''المشكلة تكمن في عدم ترخيص هذه المواقع المنتشرة في عدد من أنحاء العاصمة وغيرها''.
وبيّن ''هناك خطة وبرنامج محدد من قبل المحافظة بالتشديد على مراقبة هذه المواقع وعمل جولات مكثفة من قبل الحكام الاداريين وعمل لجان مراقبة ومتابعة وإحصاء لهذه المحلات''.
واقر القاضي بوجود سرقات واعتداءات على المناهل وكوابل الاتصالات وأعمدة الكهرباء واللوحات الإرشادية على الطرق، وتم تشكيل لجان وعمل جولات لمراقبة الخط الرئيسي الناقل للكهرباء بعد شكاوى بالاعتداء عليه من قبل أشخاص ليتم بيعه في النهاية في أحد محلات السكراب''.
ويرى القاضي ان ''مواقع جمع وبيع الخردوات أخذت تشكل مكاره صحية ومخاطر بيئية وشخصية على المواطنين، اذ تحوي مواد خطرة وروائح وذخائر وهذا ما دعانا للعمل على تنظيمها، وترخيصها لتحقق المطالب البيئية والسلامة العامة والتأكد من المواد المشتراة والاشخاص الموردين لها''.

تحقيق خالد الخواجا