يعد الفنان التشكيلي السعودي فهد الربيق الذي ولد في مدينة الدرعية بالقرب من مدينة الرياض في عام 1959، أحد أهم فناني مرحلة الثمانينات، الذين ارتبطت دوافع التعبير عندهم بالواقع السعودي، وبجذوره التاريخية والتراثية والجمالية والفلكلورية، فأخذ من الفلكلور ( الحكايات، الأزياء الشعبية، والأدوات المستخدمة في الحياة اليومية مثل أواني الطعام، وطقوس شرب الشاي... ). وقام بتوظيف مختلف عناصر التعبير توظيفاً واقعياً بما يخدم محتواه الوطني، كما اختار الموضوعات المستمدة من تاريخنا العربي، بالإضافة إلى توظيفه للحرف العربي.
وتكشف واقعية الربيق في بداياته الأولى عن وشائج تعبيرية تحققت كإنجاز تشكيلي عبر موضوعات متنوعة ومستقاة من الواقع ومن الطبيعة...
وضمن ذلك عمل الفنان على تطوير واقعيته باتجاه توظيف عناصر الواقع توظيفاً رمزياً، لكن بعيداً عن الصيغ التسجيلية. وهذا يجعلنا نكتشف شيئين أساسيين هما: ( الحس الشعري ) و ( الواقعية التراجيدية ).
والمتتبع لمراحل الفنان الفنية، يلاحظ أن هناك تطوراً شمل أساليب التعبير والموقف الاجتماعي، لذلك استمر هذا التطور في تجربة الفنان نحو الجمالية الشاعرية والدراما الإنسانية بأسلوب يحمل من الواقع بقدر ما يحمل من الحلم. وهذا ما دفع بالفنان فيما بعد بأن يترك لذاته الحرية التي تقود إلى عمل إبداعي ينتمي إلى المتأمل عبر رؤية سريالية تعبيرية، لكنها سريالية المحتوى من خلال عناصر تمثل: ( حصان، طير، بيوت، زخارف امرأة... ).
وتؤكد معظم لوحات فهد الربيق على العنصر الأخير المرأة كقيمة تتجاوز الدلالة الواقعية لصالح الرمز، بمعنى آخر، أن للمرأة قيمة في فن الربيق لأنها تعبر عن عدة مشكلات إنسانية، لذلك اعتمد على المرأة ليقدم عبرها المشكلة، وهذا ما نشاهده في معظم لوحاته، حيث أحاطها بمساحات خلفية تحيط بها من كل الجوانب، حتى يرمز إلى الواقع الذي وضعت فيه، وقدم انعكاس هذا الواقع عليه.
كما أحاط المرأة بعوالم شريطية هلامية وبرزت الأشكال من هذه العوامل. وحدد عناصره ( وجوه، خيول وطيور... )، ضمن إطارات هندسية غير منتظمة، وخطوط تحجز هذه العناصر، حتى إن الوجوه أحياناً لا تكون مكتملة والعيون مجزوءة والأفواه مختفية، لكن هذه الوجوه تعاني ولا تستطيع الصراخ، فالشرائط الهلامية تحد من الحركة والانعتاق...
لكن المعادل الفني عنده قاده إلى رسم الحصان إلى جانب المرأة كتعبير عن غياب الرجل في لوحته، فالحصان كما نعلم يرمز للقوة والانطلاق والتمرد والخصب.
وما يميز تجربة هذا الفنان هو توظيفه للمساحة التي تطل منها عناصره التي تشبه الأرض، لذا نرى عمق التعبير الذاتي في الوجوه التي تعكس المعاناة والحلم اللذين هما نتيجة لعالمه الشخصي، لذلك استطاع أن يجعلهما يعكسان نفس الإحساس الذي يقدمه الوجه، وهو لهذا يقدم لنا لغة تشكيلية لها خصوصيتها وتفردها ولها جوانبها الخاصة المرتبطة بالواقع، وتركيبها الذي يؤلف بين جوانب هندسية وعناصر من الواقع، وخيال خصب، وقد تتحول عناصره إلى صبغ شاعرية في كثير من الأحيان.
وهذا كله يؤكد لنا أن الربيق رغم شاعريته ورموزه وموضوعاته، يربط بين فنه ومعاناته ويسجلها عبر شتى الصيغ التي تتلاءم مع الموقف الذي يعانيه، ومثال ذلك انفعاله بالأحداث العربية والإسلامية وبشكل خاص عندما صور المأساة على وجوه الضحايا في صبرا وشاتيلا.
لقد نجح الربيق عبر رحلته الفنية، بدراسة وفهم وتحقيق الشروط الفنية المتعلقة بالتكوين والتكرار وإتقان نهايات العمل، كما وفق في توظيف اللون للتعبير عن مشاعره وأحاسيسه.
الفنان الربيق حاصل على دبلوم الفن من معهد التربية الفنية بالرياض عام 1979، وعمل رساماً في مجلة الفيصل ومصمم مناظر في التلفزيون السعودي، وشارك في العديد من المعارض المحلية والخارجية، وأقام عدداً من المعارض الشخصية، وترأس لجنة الفنون بالمركز الرئيسي للجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بالرياض، ونال العديد من الجوائز والميداليات والشهادات التقديرية.
* تشكيلي أردني
السعودي فهد الربيق.. المزاوجة بين الواقعية والسريالية .. بقلم : غازي انعيم
12:00 24-8-2007
آخر تعديل :
الجمعة