يتجدّد اللّقاء مع الشاعر التونسي يوسف رزوقة، صاحب جائزة الملك عبد الله الثاني للآدب والفنون لسنة 2004. والذي قدم جديده الشعريّ في مهرجان جرش لهذا العام.
فقد دأب الشاعر على تجسير التّواصل مع الآخر من خلال زيارته للاردن والشاعر الذي قدم تجربة مشتركة حول محور إيقاع شرق - غرب حيث تّم في هذا السّياق تطبيق العروض العربيّ على القصيدة الفرنسيّة وله في هذا، مؤلّفات، بعضها مشترك مع الشّاعرة الفرنسيّة هيرا فوكس.
شارك في نشاط مكثّف ولاّفت في خدمة الشّعر العربيّ وضمان إشعاعه، في أكثر من لغة، على نطاق البلدان النّاطقة بالإسبانيّة (اميركا اللاّتينيّة تحديدا)، بصفته أمينا عاما لحركة شعراء العالم ممثلا للعالم العربيّ، حيث تمّ إدراج زهاء 700 شاعر من 23 دولة عربيّة ضمن بوّابة الحركة(حركة شعراء العالم)، بعد أن تمّ اعتماد اللّغة العربّية ، في كلّ أبوابها، بسعي منه، لتكون، إلى جانب لغات القارات الخمس، لسان الشّعراء العرب.
صدرله مؤخراً عن إيماجين كتاب شعري بالفرنسية عنوانه باكرا على الأرض كما صدر كتاب نقدي عنه بعنوان يوسف رزوقة أو البحث عن الرابط الأصيل بإمضاء الباحثة الفرنسية أود ريشو ديانو أستاذة ألأدب الفرنسي بالسوربون ، تناولت فيه بالبحث مجاميعه الشعرية الخمس والتي وضعها صاحبها في لغة فولتير وهي : ابن العنكبوت 2005 ،حديقة فرنسا 2005، منظورا إليها من فوق، يوطاليا أو مدينة الشعراء (بالاشتراك مع الشاعرة الفرنسية هيرا فوكس)2005، ألف قصيدة وقصيدة (بالاشتراك مع الشاعرة سالفة الذكر)2005، و حديثا : باكرا على الأرض 2006، بالإضافة إلى كتاب آخر بإمضاء الشاعرة الفرنسية ألاّ فرانس بعنوان ي / ر : من أجل نظام شعريّ، جديد وهو عبارة عن سيرة ذاتية تؤرّخ لمسيرته الشعريّة والحياتية منذ الطفولة إلى الآن..
هذا الشاعر الأكثر نشاطاً وتواصلاً يعود إلى جرش محملاً بقصيدة لام قيس وبعشق أصيل ، التقيناه وكان هذا الحوار:
ها أنت في جرش من جديد، أهو الحنين أم ماذا؟
- هو ذاك وهو ينابيع أخرى كالأصدقاء الجميلين وعبقرية المكان ، بدليل سعادتنا الفائقة بانتخاب البترا عجيبة من عجائب الدنيا السبع.
ما حكاية الرّوائيّة المكسيكيّة الّتي جعلت منك شخصيّة أساسيّة في روايتها الأخيرة إيزابيل، سيّدة البحر ؟
- كانت تلك مفاجأة كبرى لم أتوقّعها فعلا، لم أكن أتوقّع ولو افتراضا، أن تبادر روائية من المكسيك بكتابة ثلاثية رواية بكاملها عن شاعر مثلي ، من المغرب العربي.
لعلّ ما حفّزها على ذلك، ذلك الزّخم المتوافر لديها من نصوص ومعطيات حافّة بي وبمشروعي الشعريّ الّذي أدأب منذ سنوات على ترسيخ أسسه، في لغة لوركا، في عموم أنحاء أمريكا اللاّتينيّة ، بدليل تضمينها المكثّف وبطريقة سرديّة ذكيّة لجملة من قصائدي جعلتني ألهج بها في السّياقات الحواريّة وغير الحواريّة لروايتها.
أمّا أحداث الرّواية والّتي حصلت على نسخة منها فتدور في الفضاء المغاربي ، بين المغرب والجزائر وتونس بعد أن قدمت إليه ( أي إيزابيل ومن معها) من هناك، من وراء البحار.
ملخّص الرواية، أنّ إيزابيل أو سيّدة البحر والتّي أريد لها أن تؤيقن حضورها كرمز للحياة وللزّمن، تقرّر الرّحيل ، لكسر رتابة الإحساس بالأشياء و بالواقع المهيمن، مع قدرها الجديد، إلى نقطة ما، من العالم (الجناح المغاربي تحديدا) ، قد تكون رأتها مضيئة إلى حدّ ما وقد تمّ تسويغ حضوري في هذه الرّواية كلمة وروحا على امتداد اثنين وعشرين فصلا تشابكت عبرها الأحداث لتفرز في النّهاية رواية الإنسان في هذه القرية الكونيّة السّاخنة.
هل تنطوي هذه الرّواية المكسيكيّة وهي تستدعيك إنسانا ونصا على قضيّة ما؟
- بالتّأكيد، في تلافيف هذه الرّواية أكثر من قضيّة حارقة لعلّ أكثرها شائكيّة وخطورة قضيّة الإنسان، الآن وهنا، في فضائه الاتّصاليّ، المعولم وفي نضاله اللّحظيّ من أجل التّموقع في طمأنينة ما، من هذه الخارطة المنذورة، إن عاجلا أو آجلا، للاندثار. إنّها قضيّة البحث عن الصّوت الضّائع في سوق السّلع المستوردة والقيم المستلبة.
من هنا، عمدت الرّوائيّة ماريا ألخندرا غودينو إلى استدعاء الإنسان في بعده المتعدّد عبر تجسير تواصلات محتملة بين ذوات ضائعة تبحث عن مستقرّات آمنه لها ولو في آخر الدّنيا، انطلاقا من الجمع بين شرق وغرب في محاوله سرديّة منها لرأب ما تصدّع بين بني البشر، في هذه الألفيّة الثّالثة.
إلى جانب العربيّة، أنت تكتب بلغات أخرى ((الفرنسيّة، الانجليزيّة، الروسيّة، السّويدية، البرتغاليّة والإسبانيّة) لكنّ هذه الأخيرة تبدو أكثر استئثارا بزمام الكتابة لديك، هل من سرّ؟ ثمّ ألا تخشى تشتّت الحالة الشعريّة في أكثر من وسيط لغويّ متاح؟
- بل بنفس التّواتر الّذي أكتب به عربيّا، أكتب بالإسبانيّة ، لتأتي بعدهما الفرنسيّة وقد كانت الأثيرة لديّ لسنوات ، لكنّ خلافا طارئا دبّ بيني وبين شاعرة فرنسيّة جعلني أنأى قليلا عن فولتير باتّجاه قارّة أخرى بحثا عن لوركا وعن أندلس محتملة.
مع هذه الشّاعرة، أرسينا في لغتها مشروعا بدا لنا طموحا أثمر كتابين مشتركين: يوتاليا - مدينة الشّعراء، وألف قصيدة وقصيدة واشتغلنا من ثمّة على تيمة الإيقاع البديل ، أعني إيقاع شرق غرب الذي حاولنا تحقيقه من خلال الجسر المتحرّك كمنجز إيقاعيّ، مشترك عبر تطبيق العروض العربيّ على القصيدة الفرنسيّة إلى جانب انخراطنا في مشروع اليوغا الشّعريّة ، لكنّ الرّياح اللّواقح جانبتنا فجأة لتعصف بالأخضر فينا ولتتصادم من ثمّة عكس أطروحاتنا النظريّة حضارتان وثقافتان.
ومع أنّني مازال بي عشق وشيء من حتّى، في سياق القول بمثل هذا التّواصل بين شرق حالم وغرب ظالم، فقد ارتأيت الهروب، إلى حين، إلى هناك، إلى إسبانيا وعبرها إلى بلدان أمريكا اللاّتينيّة ليكون لي فيها موطئ قدم وقلم ، فكان لي ما أردت لأتورّط بمحض رغبتي الكاسرة في ما أراه المرحلة القائظة بعد أن عشت المرحلة الباردة (تجربة أوروبّا الشرقّية : روسيا وما جاورها) والمرحلة الفاترة (تجربة أوروبّا الغربيّة: فرنسا وما جاورها).
أمّا بخصوص تشتّت الحالة الشّعريّة في أكثر من وسيط لغويّ فإنّ مجرّد الوعي بهذا ، يجعلني أحذر المطبّات المحتملة لأيّ انحراف غير محمود العواقب عن الطّريق الساّلكة، في مستوى مصداقيّة ما أنا بصدده : كتابة القصيدة الّتي أريد، باللّغة الّتي أريد وبالمواصفات والمعالجات الفّنية الّتي تحقّق لقصيدتي الإضافة بانزياحها وفرادة أسلوبها.
إنّ قانون اللّعبة لديّ ، مع أيّة لغة وفي أيّة قصيدة، أن ألعب ، على أن لا يجرفني هذا اللّعب الغاداميريّ الواعي إلى رداءة الأداء لكنّ عزاءنا أنّ اللّغة وحدها هي الكفيلة، باعتبارها بيت الكينونة على حدّ تعبير هيجل، بتحقيق هذا الرّهان وإعادة تشفير العالم ، بكلّ تواضع عسير، عبر قصيدة قادمة تقطع مع الأطروحات السّائدة وتقترح البدائل بجرأة من لا يروم التغرير بقارئه المتخيّل والمستهدف.
لكن يعاودنا السّؤال: لماذا تصّر على الذّهاب إلى الآخر بأكثر من لغة؟ وكيف يتسنّى لك في الآن نفسه الإلمام بأسرار كلّ لغة، على حدة؟
- أن تتواصل مع الآخر بلغته يعني أنّك تماهيت معه مع الوعي بعدم الذّوبان فيه ويعني أنّك ذللّت الحواجز القائمة بينك وبينه ، من أجل استكناه حقيقته الكامنة أو المعلنة ومن أجل أن يكون لكما برزخ خاصّ لكانّه فضاء عائليّ، حميم تتشكّل عبره مدينة قادمة هي مدينة المثقّف الجديدة بكلّ ما تنطوي عليه من شوارع تفضي ولا تفضي، وبنى تحتيّة وفوقيّة وأسوارشائكة وأحلام وهموم مشتركة وهكذا، يتحقّق ما به نكون معا، على أرض الواقع، عبر الوسيط اللّغويّ الّذي لا يخون.
من هنا، اهتديت إلى اميركا اللاّتينيّة لتصبح سفير شعراء العالم فيها ، ممثّلا للعالم العربي؟
- فعلا، هذا ما كان.
بمثل هذا التلاقح والتلاقي عبر اللّغة الإسبانيّة تحديدا، سنح اللّقاء مع نظرائي من شعراء المرحلة في عموم أميركا اللاّتينيّة ومن ضمنهم لويس أرياس مانثو، أمين عام شعراء العالم .
وشعراء العالم ، حركة عالمية مقرّها الشيلي لشعراء يلتقون حول قيم تمّ التنصيص عليها في المانيفستو الكوني لشعراء العالم وهي تنشط ضمن جمعية أميركا اللاّتينية لشعراء العالم و تضمّ إلى حدّ الآن أكثر من 2000 شاعر من خمس قارّات.
لهذه الحركة مانيفستو طموح ومهرجانها السنويّ الذي تلتئم فعالياته بالشيلي مع شهر أكتوبر تحت عنوان في اقتفاء أثر الشاعر ولها أيضا إذاعتها الّتي بعثت مؤخّرا لتكون ناطقة باسم شعراء العالم .
وقد تسنّى لنا، من جهتنا، عربيّا،أن نموقع ضمن بوّابة هذه الحركة زهاء 700شاعر عربيّ إلى جانب شعراء القارّات الأخرى.
تهدف هذه الحركة ضمن هذا الفضاء الاتصالي المعولم إلي تمكين الشاعر في مرتبته الراهنة باعطائه دورا وظيفيا ضمن القوي الحية في العالم اعادة الاعتبار له ولتحقيق النجاعة المنشودة والتواصل مع الضمير الشعري العالمي وقد تدعمت هذه الحركة بمانيفستو كوني حول الدور الوظيفي لشاعر اليوم ورسالته المشفرة من أجل أن يبقي ناطقا باسم المرحلة ومتغيراتها فاعلا في عصره ومناهضا لكل ضروب الهيمنة والأخطار الحافة والداعية الي انقراض الانسان.
وتم بالمناسبة ادراج اللغة العربية ضمن هذه البوابة الافتراضية لتخصص من ثمة صفحة كاملة بالعربية لكل شاعر يتم ادراجه في هذا السياق لتنشر له قصائد منتقاة مشفوعة بصورة المؤلف وبترجمة ذاتية له.
دستور الشعراء بيان تمّ توقيعه في عمّان ،أثناء التئام فعاليّات مهرجان جرش للثقافة والفنون صائفة 2003، لماذا هذا البيان ؟
- إزاء الخطر الداهم في شتى تمظهراته المعلنة و غير المعلنة، يهدد الكائن في جوهر وجوده : مسخا لهويته وحطا من قيمته (إن وجدت ).
و إزاء اللغط الجائر، يستهدف الشاعر و يشكك في نبل رسالته : قولا بلا جدوى الكتابة في زمن عاصف بالروح و بالكلمات كهذا كان لا بد من بيان يقول عصره و يحقق القيمة المضافة و المعنى لشاعر الهنا و الآن و ما هذا البيان الذي أمضى على ديباجته كل من : محمد علي شمس الدين (لبنان) عز الدين المناصرة (فلسطين) رشيد يحياوي (المغرب) يوسف رزوقة وشمس الدين العوني (تونس) إلا مشغل في صميم حرائق المرحلة و متغيراتها، سيظل مفتوحا على المستقبل، يهم الجميع : نقادا و شعراء، من أجل مماحكته ومقاربته للخروج من ثمة ب : دستور الشعراء : نهجا ودورا و أداة فمع مطلع الألفية الثالثة و في هذا الفضاء الاتصالي، المعولم، يقترح الشاعر، الآن وهنا، مشروع دستور جديد : نهجا، دورا و أداة وهو يرنو من وراء ذلك- وأكثر من أي عصر - إلى توطين كيانه الابداعي، المخصوص : قولا مختلفا و حضورا قويا على الخارطة، في محاولة انقلابية، واعية، بهدف التناغم- بابداع و لا شرط غيره- مع راهن الأسئلة الكبرى و متغيرات المرحلة.
ازاء انفجار المسافات، المفاهيم و المصطلحات و اتساع رقعة الحريق في ذاكرة الشاعر - نظرا إلى تنامي همه الموسوعي العارم (قلق، ضغط، احساس فاجع بانقراض السلالة و / أو بانتفاء الدور، إلى غير ذلك)- فإن المرحلة تقتضي من شاعرها هذا الموقف الذي يراهن على الانسان ويحقق مناعة الحضور لمواجهة شتى الضغوطات الحافة بالنص و / أو بصاحبه، ويؤكد على مباشرة القضايا الكبرى ذات الصلة الوثقى بالواقع المستجد أو النضالي في بعده المتعدد بلغة الشعر الصافي و برؤية نقدية واعتبار النص الابداعي عابرا للزمان و للمكان و من ثمة
قيل في ديوانك إعلان حالة الطوارئ وديوانك أزهار ثاني أوكسيد التاريخ أنهما عبرا عن مخاوف شاعر في عصر العولمة من الحدث المروّع ومن تغيّر أنماط العلاقات الاجتماعية بين الرجل والمرأة والتي تتجه نحو أفق أقلّ رومنسيّة ، كيف تفسر ذلك ؟
- وهو كذلك ولا رأي لي وقد قالا بالنّيابة عنّي ما قلته في أزهار ثاني أوكسيد التّاريخ وفي إعلان حالة الطّوارئ .لكن لي ما أضيف في السياق هو أن ما حدث في 11 ايلول كان سببه أزمة إيقاع بين شرق وغرب فبانعدام التناغم بين الطرفين، حدث ما حدث ولن تستتبّ الأمور ما لم تنسجم روح الشرق مع روح الآخر.
بجوهرة السّاحل التونسي سوسة،احتفت رابطة الكاتبات التونسيات مؤخرا بعيد ميلادك الخمسين من خلال اربعة و عشرين ساعة متواصلة من الشّعر بلا ملل أو كلل.
خصّك أصدقاؤك الشعراء بقصائد حبّ، احتفاء بالمناسبة. ألم تشعر بشيخوختك، وأنت تؤبّن حيّا، قبل الأوان؟
- لا، أبدا. هي لفتات حبّ متبادل وحبّذا لو معا نواصل ترسيخ مثل هذا التّقليد الاحتفائيّ مع سائر مبدعينا فما أحوجنا ونحن نتقدّم نحو شفق العمر إلى حبّ كهذا ، يطيل العمر ويشعرنا بذلك الدّفء العائليّ، اللّذيذ.
كأنّك تشير إلى تلك الزيارات التي قمت بها وزملاءك إلى بعض الأدباء الكبار عبر الصالون المتنقّل لشعراء العالم ؟
- نعم ، بخطى حثيثة وثابتة تواصل حركة شعراء العالم سلسلة تحركاتها الهادفة بوجهيها الثقافي والانساني باتجاه لم شمل العائلة الشعرية الموسعة والسعي من ثمة الى ارساء تقاليد تحاضن وتواصل دائمين مع أفرادها أينما كانوا من خلال زيارات منظمة يقوم بها بين المناسبة والأخرى وكلما اقتضى الحال الشعراء / أعضاء هذه الحركة الشعرية العالمية الى المتقدمين في السن وفي التجربة من مبدعي المرحلة، للاطمئنان على أحوالهم دون اغفال الزيارات المماثلة الى عائلات المبدعين الراحلين لطمأنة أفرادها على أن هؤلاء المبدعين من ذويهم لن يموتوا وان رحلوا ولن تنساهم بالتالي الأجيال المتعاقبة من نظرائهم المجايلين منهم والشباب لقد كانت بوادر منعشة للقلب، عبرها تحقّق شيء ممّا ننشده : إشاعة بعض الغبطة لدى من نحب من مبدعينا فزرنا مصطفى الفارسي والشاذلي زوكار وزبيدة بشير وحسن السوسي وما زالت في البال أسماء كبيرة وجديرة بالزيارة مثل نازك الملائكة التي حاولت شاعرتنا فاطمة ناعوت زيارتها في القاهرة لكن تعذّر عليها تحقيق ذلك في اللّحظات الأخيرة للظّروف الصّحّية التي تمرّ بها المراد زيارتها.
إنّه أقوى الإيمان: أن لا ننسى أدباءنا في غمرة انشغالاتنا اليوميّة أو غيرها. لأنّنا نحن أيضا سنكبر غدا أو بعد غد وسنشعر بوحشة أن نكون وحيدين، وما أقسى ذلك!
تخوض منذ سنوات تجربة اليوغا الشّعرية : هل يعني هذا أنك غاندي بالمفعول الرجعيّ للكلمة؟ ثم ما معنى اليوغا الشعريّة في هذا الزّمان؟
- أنا غاندي الألفيّة الثّالثة لكن عبر الكلمات وقد بلورت فكرة اليوغا الشّعريّة في قصيدة لي.
بعد صدور مجموعة شعرية لي تحمل عنوان يوغانا: كتاب اليوغا الشعرية وبها 50 قصيدة، مارست هذه التجربة لمدة سنتين مع هيرا فوكس بالفرنسية، وأمارسها حاليا بالإسبانية مع الشاعرة الأرجنتينية غراسيالا مالغريدا وأنجزنا إلى حد الآن 150 يوغالا.
اليوغا الشعرية أو يوغانا هي سؤال الروح - وهي تمارس رياضتها عبر الكلمات العازلة للعزلة، للرياح السموم ومشتقاتها، لكل دخيل غير مرغوب فيه و لكل عنف مفروض من الداخل و / أو من الخارج.
ما أحوجنا جميعا، في زمن الضغط العالي و التلوث بأنواعه والهستيريا، أن نختط لنا في هذا الفضاء الرقمي، المعولم نهجا نسميه اصطلاحا : يوغا(نا) : نحاول عبره - و عبر ابستيمية التلاقح تقاطعا، لا التقاء مع يوغا الشعوب الأخرى ذات المرجعية الروحية المهيمنة والطقوس المختلفة - أن نسن أجندة الإنسان القادم، في محاولة شعرية لإنقاذه من نفسه و من محيطه الدائري، الضاغط والرابط بين حلقات الراهن المستحكمة، بين الرقبة والمشنقة .. بين الأجداد و الأحفاد و بين النحلة ورحيقها في رحلة السيبرنيطيقا و اكتشاف المجهول .. على ألا يفهم من فحوى ما نحن بصدده، أننا ندعو إلى الانقطاع عن واقع الإنسان و ضجيجه إلى ما يشبه الزهد والتكهف أو حتى النوستالجيا : هروبا إلى الخلف، إلى بائد الأزمنة حيث الأمكنة تهرب من ذويها الغرقى في الغيب و في الغياب و في أشياء أخرى (قد) تعني الهزيمة و التهويم المزمن في سماوات اليوطوبيا، بمنأى عن أرض الحقيقة إن ما نحن بصدده، و مع سابقية الإصرار والترصد، هو العكس تماما.. بأتم ما يحمله الاتجاه المعاكس من هدم فبناء : اندهاشا فلسفيا و رؤية قد يسألنا عابرو السبيل -قراء القصيدة- من باب الفضول المعرفي : و ما السبيل إلى اليوغا الشعرية : تخومها وتطبيقاتها؟ لن نخوض في هتك المستور : قانون الشاعر بامتياز..
* صحفية أردنية
ملحمة الخاتم
ما الشّعر؟
فالنّقّاد، إن وجدوا
فلاسفة
وتلك مصيبة كبرى
ولا قانون للشّعراء
يحميهم
من الظّلم العظيم
ي/ ر
قالها ابن عربي:
المكان الّذي لا يؤنّث، لا يعوّل عليه
1
العَالَمُ امْرَأَةٌ
تَعَالَقَ نَبْضُهَا
مَعَ كُلِّ نَبْضٍ فِي الخَرِيطَةِ كُلِّها
لَمْ تُشْرِقِ الشَّمْسُ الَّتِي هِيَ شَمْسُهَا
إِلاَّ لِتَغْرُبَ
حَيْثُ فَائِضُ ظِلِّهَا
2
العالم امرأة
بحيث إذا بكت
حلّت بظالمها المصيبة
كي يعيش معلّقا
في حبل مشنقة له
بشعور من يخشى النهاية:
أنّها ستخونه
3
العالم امرأة
وإنّ مجرّد التّفكير في تجريدها
من حقّها
في أن تكون
جريمة في حقّها
4
العالم امرأة
بحيث إذا رأت في شكلها
ما لا تريد
تهشّمت مرآتها
5
العالم امرأة
ويكفيها الشّعور
بأنّها امرأة
لينهض خلفها رجل تعاظم حلمه
حتّى بكى.
خوض في وضعيّة امرأة تعسّر وضعها
هركانوس الطّوبي
تاريخ آخر تكتبه امرأة
لا بدّ من امرأة..
ليقوم هنا قصر
قال الرّاوي
هو قصر العبد بوادي السّير
وما خفي، امرأة
في قصر من حجر بازلتيّ، هشّ
أدماها القيد
من بين مخطوطات زينون القديمة
- هكذا تروي نهى العمريّ -
جاء
مكبّلا في عشقه
فتح اليدين
وخرّ بين يدي حبيبته
وقال لها: هلا!
وبنى لها
بجوار وادي السّير
قصرا هدّمته الرّيح
بعد هنيهة من رعد هركانوس
بعد هديّة
هي برق أجمل عاشق
ليموت بين يدي حبيبته
وقد أغواه منها ما بدا منها
كوعد ممكن
وغياب هركانوس
والشّيطان
فاستبقى يديها في يديه
إلى حدود فراره من نفسه
للانتهاء أمام عينيها
وذلك مطلق الإيمان
بين حبيبة وحبيبها
في ظلّ مخطوطات زينون القديمة، يوسفيوس والآخرين
تلاقيا
هو عاشق في حكمها
وهي الّتي أعطته شيئا من هشاشتها
وكان النّسر
حتّى وهو مشدود إلى جدران قصر هدّمته الرّيح
بعد هنيهة من رعد هاركانوس
يرمق ما يرى
ليطير
من شرق إلى غرب
ومن غرب إلى شرق
إلى هذا الزّمان
وكان يا ما كان...
لكنّ الّذي أرويه في هذا المكان
له سياق غائم
هو خاتم
ضيّعته
أو ضيّعته يد من الأيدي الطّويلة
ذات زهو
ذات لهو
ذات سهو
عند بئر أريس
حتّى أنّني غادرت صحرائي
وجئت إلى هنا
بجوار غادارا القديمة
بين مينيبوس، ميلاغروس، ثيودوروس
قامت خيمتي
لأمرّ بين عشيّة وضحى
بمجنونين ما عادا، بفعل البحر، مجنونين
أهلا بالمسيح
عليك منّي
من صديقيّ، السّلام
قنا الهلاك
وكلّ شرّ داهم
واجعل إقامتنا
بمنأى عن خنازير الخريطة كلّها
وافتح لنا في الأرض
بين حجارة البازلت والتّاريخ
نافذة نعانق عبرها بحر الجليل
الوضع ليس ملائما
لأقول إنّ الوضع ينبئ بالّربيع
ولست بالرّجل المناسب في المكان
وفي الزّمان
لأفتح امرأة بجيش خائن
هو جيش هولاكو ومن معه من الحمقى
وقد شربوا السّعادة كلّها
فرأوا
- وهم أعلى من التّاريخ والجغرافيا -
أنّ الخيانة واجب
فهي الطّريق إلى دمشق، إلى العراق
إلى الفراشة
وهي تدرأ
- مثل كلّ فراشة في الشّرق-
مرحلة الغراب
وكان يا ما كان :
أنثى في تمام شروقها
تأوي غرابا غازيا
سرعان ما استولى على ياقوتها
بدءا بدانتيلاّ جناحيها اللّذين ترهّلا قبل الأوان
وبانتهاء جمالها الطّاغي
أحسّ بكلّ نرفانا الوجود
بأنّه فعلا غراب لا غبار عليه
بالمعنى أحسّ غرابنا
بالفخر
فابيضّت سعادته
ليقتل وهو يمعن في الأذى
تلك الّتي كانت قبيل هنيهة أنثاه
فهي ككلّ مدينة أخرى
وأنّ النّصر في منقاره
لكأنّه الرجل الوحيد
على الخريطة
يعشق الدّرب الّذي يفضي
إلى امرأة
بلا خلفيّة للنّيل منها
يعشق البحر الّذي فيها
بحيث يحبّها
ليخونها
حتّى إذا باتت جزيرته
رأى فيها حبيبته الّتي ليست له
فيخونها ليحبّها
فإذا تراءى أنّ شيئا مّا
يعكّر صفوها
أخفى الحقيقة
وهو في الصحراء
يحلم باحتلالهما معا
الوضع ليس ملائما
لأقول عكس إرادتي
إنّ الرّبيع
على مسافة سنتمتر واحد
من أرضنا
أرض الحقيقة والنّشاز
وليس لي الوضع المناسب
كي أجازف مثلما فعل الأباطرة القدامى
بارتكاب جريمة ضدّ البلاد
وأهلها
فأنا مجرّد حاكم
في شبه منطقة ملغّمة
لها ما للقصيدة من بحور لا حدود لها
لها ما للسّماء
لذا أراها
- وهي خارج أرخبيل الخارطات -
تحاكم التّاريخ والفاشست والفقراء من عظمائنا
لتعود ثانية
إلى أرض المجاز
الوضع ليس ملائما أبدا
لأيّ تلاعب
بمشاعر امرأة
تعاني منذ بئر أريس
وضعا خارج الموضوع
ضاع الخاتم
الأجداد ضاعوا كلّهم
وكذلك الأحفاد
ضاعت جنّة أولى وثانية وثالثة
وضاع البحر بين يدي وحيد القرن
ضاع المنجنيق
وضاعت البصمات
ضاعت في الحريق مدينة أولى وثانية وثالثة
وضاع الخاتم، الإنسان والتّاريخ
ضاع الخاتم، القسمات والينبوع
ضاع الخاتم، المعنى الذّي فينا وفي الموضوع
ضاع الخاتم، الكلمات والجغرافيا
امرأة فقط
ظلّت على قيد الحياة
و منذ بئر أريس
وهي تعيش وضعا خارج الموضوع
بل هي تلك زرقاء اليمامة
أمعنت في سمل عينيها
لترحل بين عاصمة وعاصمة وعاصمة وعا...
عمياء
ذاك أقلّ فداحة
من رؤية امرأة تعسّر وضعها
حتّى انحنى لصراخها نخل العراق
وذاك، ثانية...
أقلّ ضراوة
من رؤية السّيّاب في تمثاله
وقد انحنى ليلمّ بين شظيّة وشظيّة أشلاءه
بل ذاك ، ثالثة...
أقلّ شراسة
من رؤية الإنسان : رعد مطشّر والآخرين
فريسة التّمساح والمارينز
ماذا أرتجي
من رحلتي شرقا وغربا يا ابن خلدون؟
انتهى الإنسان
بين مخالب القط الّذي ما أطلقوه على المدينة
منذ بئر أريس حتّى الآن في نسخ مبرمجة
سوى أولى الخطى
نحو المدينة تلك
وهي تعوذ من فئرانها للتّوّ
بالقطّ الّذي ما ضمّها
إلاّ ابتغاء هلاكها
ولغاية في غابة
ليعود هوميروس محموما إلى شبه الجزيرة..
باحثا عن لوتس النسيان
في إلياذة أخرى من الزمن القديم
الوضع ليس ملائما
ليلومها أحد على إجهاض ما في بطنها
آن الأوان
لطرح تاريخ بأكمله
يعجّ بكلّ كاريزما الغبار
ونحوه
ان الأوان
لوضع كلّ تراثنا العملاق
موضع شبهة
الوقت ليس ملائما للّوم
أمّا الوضع
وهو كما يرى النّاعي
فبات ملائما للّؤم
تلك رسالة الغربان
منذ هزيمة أولى وثانية وثالثة ورا...
بجوار غادارا القديمة
لا أرى
إلاّي
أمشي القهقرى
هو خاتم
ضيّعته
أو ضيّعته يد من الأيدي الطّويلة
ذات زهو
ذات لهو
ذات سهو
عند بئر أريس
حتّى أنّني غادرت صحرائي
وجئت إلى هنا
هيستوريا أخرى
أبا التّاريخ هيرودوتس
أم هيستيريا؟
للنّيل موهبة الخروج
ولا مجال لأيّ يد
ولو طالت إلى حدّ افتكاك رضيعة من أمّها
للنّيل منه
لمصر هذا النّيل مصدر كلّ شيء نابع من أمّه
هبة هو النّيل الّذي هو نبضنا
وكذلك الأرض الّتي هي أرضنا
هبة لنا
ولغيرنا هذا الطّريق
إلى ذرى المعنى الّذي تخفيه هيرودوتس
خلفك مكرها
كمؤرّخ حرّ
له شطحاته
وفخاخه
ويد تحرّك ما وراء ستائر المبنى المقابل للحديقة
هاتها
هههاتها
لي شبه معجزة
لأقنع جارتي
بالقفز من شبّاكها، نحوي
وأجعل في حدود شجاعتي
أمّا تلوذ بربّها
وقد انثنت بالفعل
عن ملهاتها
هههاتها
.............................
في قلب غادارا القديمة
ألتقي في اللّيل آرابيوس، شاعرها
أقول له:
هلا!
فيجرّني من ظلمتي العظمى
ويصرخ في دمي:
أيها المارّ من هنا
كما أنت الآن
كنت أنا
وكما أنا الآن
ستكون أنت
فتمتع بالحياة
لأنّك فان
هاتها
هههاتها
هي كلّها صحراء
بدءا من يديها
وهي تصنع مثل كلّ ضحيّة
كفنا يليق بعرسها
أومن سعادتها الّتي تنمو مع البطّيخ
كالفوضى
على ضوء القمر
هي كلّها صحراء
حتّى أنّني غادرت كلّ مدينة
لأعود، بعد هزيمتي الكبرى، إلى الحيوان
يا داروين
أصل سلالتي الأولى
وأرقى كائن ما لوّثته يد البشر
عو!
عو!
اسمعوه
كأنّه ذئب
كأنّنا بشر
كأنّ السّاعة المليون قد أزفت
كأنّ كلامنا هذا لغير زماننا هذا
كأنّ يدا تلوّح من بعيد:
أيّها النّاجون ممّا نحن فيه
ختامها بئر
ففي أغواره
كنه الجدود
وخاتم
هو أصل غربتنا الّتي طالت
فمال من الغرابة برج بيزا
وانحنى
عند الغروب
لحالنا
نخل العراق.
هذا الخليفة
وهو في الأرض الخراب
يثير أكثر من خلاف خلفه
ولذا أمانع أن أكون خليفة في الأرض
حتّى أنّني صلّيت في محراب ربّ العالمين
ولم أزل
وسألته عفوا عظيما
أن يحوّلني إلى لاشيء في هذا الوجود
فذاك خير لي
من الشّيء الّذي يمشي على قدمين
وهو أنا
بهيئة مستشار سابق
لخليفة ما
قد طغى في الأرض
حتّى أنّني خالفته
ورفضت مشروع الأنا
لأكونه.