امتد عصر الإيديولوجيا من القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، فقد شهدت تلك المرحلة حركات فكرية وسياسية متعددة المشارب والاتجاهات، تستهدف أولاً التغيير وتحقيق الذات والسير قدماً في مشروع التقدم.
وكان انخراط أعداد كبيرة من الناشطين في الأحزاب والحركات الاجتماعية الثورية مصدر قلق للقوى المحافظة والليبرالية التي حاولت وما تزال عزل الجماهير عن مصالحها، وتفتيت قواها، وتفريغ مطالبها من محتواها الحقيقي، وكان للفلسفة دور لا يستهان به في تلك المعركة الاجتماعية؛ بل الدور الأخطر من خلال المذاهب والأفكار التي نشأت ورافقت تلك التحولات، إما مع التقدم والتغيير، وفهم حركة التاريخ على حقيقتها، والثقة بقدرة الإنسان فرداً أو جماعة على فهم الواقع وتغييره، وإما تمويه معنى الصراع والتشكيك بالعقل والإنسان والالتزام بالقضايا الكبرى، وإعلاء قيم أرستقراطية تجاوزها التاريخ من الحياد والفردية والعزلة، والتخلي عن الحداثة كمشروع، وطرد مفرداتها الكبرى من الواقع المعاش، ورفض الديمقراطية وحكم الأغلبية؛ أي ما يناقض النخبة والأقلية المبدعة والوصول بالفرد إلى الاستسلام للأمر الواقع والاستقالة من النضال الجماعي والاجتماعي.
وقد عبّرت اتجاهات وقطاعات واسعة من الفلسفات المثالية والوجودية عن هذا الواقع، ومنها فلسفة هيدغر الذي كشف الباحث الفرنسي فارناس الذي فتش في أوراقه وأرشيفه التاريخي، عن مستوى العلاقة التي ربطته بالنازية، وعن تمجيده اللامحدود للزعيم هتلر والعرق الجرماني، وانزلاقاته الفكرية الأخرى التي دفعته في نهاية حياته إلى مواقع فكرية صوفية، والاستسلام للمثالية الدينية.
يصنف هيدغر الوجود إلى نوعين: الوجود الحقيقي الذي يمتلك فيه الفرد ذاته ويتحكم بها، والوجود الزائف الذي يتخلى فيه الإنسان عن أصالته الفردية، خصوصاً حريته، ويلتحق بركب الآخرين، فيستسلم للأعراف والتقاليد، وينفصل عن ذاته التي تدعوه للتفرد والسمو، وهنا يدخل هذا الفرد مرحلة الاغتراب، فيستلب ذاته، ويعيش كما تعيش الجماعة التي تنمط حياته، وتوحي له بالتخلي عن تفرده، والعيش بمستوى سلوك الاتجاه العام، أو بمنطق الوسط والوسطية.
وبسبب عزلة الفرد وقبوله بها، ينفصل عن وجوده الحقيقي، ولا يستطيع مقاومة تيّار الوسط العام الذي يناهض ويتنكر للمبدعين والأفذاذ، ويدخل هذا الفرد الأصيل مرحلة الوجود الزائف التي تعادل التشيؤ، وفي هذا الوجود يجد الفرد نفسه وقد ألقى مسؤولية وجوده على عاتق الآخرين، ويصبح أمام نفسه وأمام الآخرين موضوعاً أو شيئاً من الأشياء التي يجدها حوله، فيستقبل الرسائل ولا يرسل، وينصاع تلقائياً لإرادة الآخرين.
أما أنماط الوجود الزائف عند هيدغر فأهمها: الثرثرة واللفظية التي لا تقول شيئاً مفيداً أو حقيقياً في التواصل أو الثقافة الاستهلاكية التي تعج بها ساحتنا الثقافية لأسباب لا تخفى على أحد؛ والفضول والمعرفة السطحية للأشياء؛ والانشغال بالوجود الخارجي على حساب وجود الذات، وهو الوجود الحقيقي عند هيدغر. فالوجود الحقيقي عند هيدغر هو وجود الذات الذي يجعلني أمتلك خصائصي الأصلية، وأن أتحمل مسؤولية قراراتي التي أتخذها على عاتقي الشخصي من دون مساعدة من أحد.
أما كيف يحافظ الفرد على أصالته، فيتم ذلك حسب ما يرى هيدغر بالعزلة، والاحتفاظ بمسافة فاصلة بين الفرد والآخرين، أما إذا أراد الفرد استعادة الأصالة والوجود الحقيقي بعد السقوط والتشيؤ، فيبدأ بالاحساس بالقلق الوجودي، وهذا يعني وعي الفرد لوجوده الزائف، وهدر أصالته في أنماط زائفة، فعليه استرداد وجوده الحقيقي بالحرية التي لا تنفصل عن المسؤولية.
ورغم ذلك، لا يوجد ضمانة للوجود الأصيل، الذي يرتد وينقلب إلى ضده لثقل الحريّة، والمسؤولية، والأصالة الفرديّة، التي تدعو الإنسان للسير عكس التيار السائد، وغالباً ما يقايض الإنسان وجوده الأصيل وحريته بالراحة والأمان، في عالم يسوده القلق والاضطراب والخوف من المجهول والموت، الذي يدفع الفرد تلقائياً للعودة إلى أحضان الجماعة، لتحميه من قلقه وخوفه الميتافيزيقي، فتسقط أصالته ويتجرد من وجوده الحقيقي، ويعيش وجوده الزائف من جديد، وتبقى الحرية القيمة العليا التي تحمي الإنسان من السقوط، والسلاح الذي يحرره من سلطة الآخرين والتنميط وامتلاك الشعور بالوجود الحقيقي الأصيل.
لقد عكست فلسفة هيدغر مرحلة كاملة من الإحباط واليأس والتناقض، ووصول الحداثة الرأسمالية إلى طريق مسدودة لا بد من تجاوزها، فإما أن يتم تجاوز الرأسمالية التي تجدد نفسها، وإما أن يتم تجاوز الحداثة نفسها وتفكيك معطياتها، وهذا ما تشتغل عليه فلسفة ما بعد الحداثة.
إن الحرية التي امتشقها هيدغر للرد على الوجود الزائف هي جوهر التناقض، فما معنى حريتي الذاتية بمعزل عن الوجود الموضوعي؟ وما جدوى الحرية من دون الآخرين، أو بمعزل عن الشروط الاجتماعية أو الصراع السياسي؟ فلا توجد حرية مجردة أو مطلقة، فكل حرية هي حرية ذات محتوى اجتماعي وتاريخي، ولا معنى للحرية من دون الانخراط الوجودي مع الآخرين في عمل جماعي يمنحني معنى وجودي وحريتي.
أمّا إصرار هيدغر على العزلة والانكفاء لتحقيق الوجود الحقيقي، فيعني الاستسلام للقوى الغاشمة، والتشيؤ، والاستبداد، والتخلي عن العمل الجماعي والاجتماعي المنظم، الذي يفجر طاقات الأفراد والجماعات ويفرض منطق التاريخ القائل بالتقدم والحياة الأفضل لمن يستحق الحياة ويعمل من أجلها.
* باحث أردني