''اتذكره دوماً،. طويل القامة، سريع الخطوات، يختار ثيابه بعناية فائقة، وكانت شخصيته العصامية لا تهاب الصعاب، له نظر حاد ينفذ الى اعماق النفس''.. ثم يتابع ابنه: وكان يردد لي دوماً: ''يا خالد ان كلمة المستحيل ليست في قاموسي''.. وقد تمتع والدي يعقوب العودات (البدوي الملثم) بذاكرة عجيبة المت بدقائق الامور وبآلاف من الشخصيات التي عرفها عن كثب او كتب عنها عن بعد.. وكانت هذه الصفة مقرونة بحبه وعشقه لاعلام الأدب، وهي اساس هام لابداع العودات في كتابة السيرة والتفوق بها.. وكان حبه للناس محوراً مهماً في حياته الشخصية والادبية.
وهو رائد من رواد الحركة الثقافية في الاردن، واحد رموز الادب القومي المعاصر.. فقد ذاعت شهرته في البلاد العربية وفي بلاد المهجر من خلال ما نشره وصنفه من مؤلفات زادت عن العشرين كتاباً معظمها في حقل التراجم والسير، بحسب الكاتب عايد هاشم. ولد يعقوب حنا العودات او البدوي الملثم (ابو خالد) في الكرك عام (1910) وعندما كبر اشتغل مدرساً في ادارة المعارف بشرقي الاردن ثم يتنقل في عدة مناصب حكومية منها مثلاً سكرتير في مجلس الوزراء الاردني.
في العام (1950) يسافر على نفقته الخاصة (بعد ان يستقيل من الوظيفة) في رحلة علمية ثقافية الى جمهوريا (اميركا الجنوبية) استغرقت نحو عامين ونصف العام ليضع موسوعته المهجرية الشهيرة ''الناطقون بالضاد في اميركا الجنوبية'' في مجلدين، والتي ما زالت مرجعاً تاريخياً فريداً وشاملاً.
وكان المرحوم يعقوب العودات والذي رحل عنا في العام (1971) قد بدأ رحلته الادبية منذ عام (1926) وكانت كتاباته متنوعة ما بين الدراسات الادبية والنقد والترجمة والابحاث التاريخية والقصة القصيرة والشعر والمقالة والرسائل والاثار.
كان يوقع مقالاته بتواقيع مستعارة مختلفة الى ان اختار لمقالاته وكتبه توقيع (البدوي الملثم) والذي اصبح لقباً له اشتهر به وغلب على اسمه الحقيقي.. ولذلك حكاية يرويها الكاتب المعروف (محمد ابو صوفة) في كتابه أعلام من الفكر والادب في الاردن حيث نقرأ ما يلي: ''بدأ يعقوب العودات بنشر انتاجه في الادب في بواكير حياته تحت تواقيع مستعارة: (ابو نظارة)، (ابو بارودة)، (حماد البدوي)، (فتى مؤاب)، (فتى البادية).
ولكن نفسه لم تأنس الى أي من تلك الالقاب الى ان كان ذات يوم يتنزه في ظاهر بلدته عندما شاهد بدوياً ملثماً على ظهر ناقة تسير به خبباً وبيده (المحجن) .. فاستثار ذلك المنظر الشاعري خياله المتحفز، واستقر رأيه على ان يتخذ اسم (البدوي الملثم) توقيعاً لكتاباته، وهكذا كان وظل يكتب وراء هذه الكنية حتى نهاية عمره.
وكان البدوي الملثم شعلة ذكاء وقمة نشاط وذروة اخلاق.. مسيحاً يجوب هذا العالم ليروي قصة الادب العربي ويبارك خطوات العرب نحو المجد منذ كان فيهم الرسول (محمد) صلى الله عليه وسلم.
وقال عنه الناقد فخري صالح ان يعقوب العودات: مثله مثل افراد قليلين من ابناء جيله استطاع ان يقوم بهذا الجهد الكبير فألف موسوعتي ''الناطقون بالضاد في اميركا الجنوبية'' و''الناطقون بالضاد في اميركا الشمالية'' وكتاباً عن (عرار شاعر الاردن) - والذي ما زال متداولاً حتى هذه اللحظة وتتواجد طبعاته العديدة والجديدة في اكثر مكتبات الاردن التجارية - والف ثلاثة كتب عن شاعر فلسطين (ابراهيم طوقان) اضافة الى كتابه الضخم جداً (اعلام الفكر والادب في فلسطين) والذي تحدث فيه عن (300) شخص من اعلام الفكر والادب في فلسطين قبل النكبة وبعدها، ثم كتابه المهم ايضاً عن اعلام الفكر لمثقفي الاردن عبر كتابه (القافلة المنسية).. اما عن آخر كتبه والتي صدرت منذ عدة اشهر فقط فقد كان كتاب (اطلال جرش) من تحقيق كايد هاشم وصلاح جرار.
وعن البدوي المثلم (مؤرخاً ورحالة) يتابع الكاتب هاشم: ''هناك مناطق ما زالت منسية وشبه مجهولة في تجربة العودات تغري بالاستكشاف لا سيما ان مخطوطاته واوراقه التي تسنى لي البحث فيها منذ عدة سنوات مضت تضيف المزيد من الجلاء في دراسة شخصيته الثقافية والدور الذي اعد له نفسه ومارسه في سياق انتاجه، مما يفيد في دراسة اثر التلاحم بين هذا الكاتب الاردني المثقف وبيئته الوطنية على وجه الخصوص، وعمق اثر هذه البيئة في تكوينه القومي وتلاحمه مع البيئة العربية الاوسع وقضاياها وهمومها الكبرى التي عاشها بفكره ووجدانه.
وانني هنا اود التركيز اكثر على شخصية العودات (باحثاً ومؤرخاً)، فهو من الاوائل القلائل الذين عنوا بالبحث والكتابة عن تاريخ بلده الاردن، ذلك في حقبة زمنية ينصرف الذهن عند ذكرها الى ما كتبه الغربيون من رحالة ومستشرقين عن بلادنا وتاريخها وآثارها واحياناً بعض العرب من غير الاردنيين، واعني بها المرحلة الاولى من حياة العودات في دنيا القلم والتي شهدت بداياته في الكتابة والنشر منذ العام 1926 حتى بُعيد ظهور بواكير كتبه خلال اربعينات القرن الماضي.
ومن كتاب العودات (رسائل الى ولدي خالد) .. والذي صدر عن دار المعارف في مصر عام 1970 نقرأ فقرة من رسالة الى ولده خالد، اذ يؤكد لولده ولشباب الامة ان عليهم ان يغاروا على امتهم، وعلى حفظ القرآن الكريم والمحافظة على تقاليد المجتمع والحرص على العادات المستحبة والحفاظ على التوحد بين المسلمين والمسيحيين، والاحسان للفقراء ومساعدة المعوزين بسرية تامة، والحض على القراءة والمطالعة، واجارة المستجير وتقديس الامانة ومقت الخيانة ومباركة الاستقامة ولعن السحت والحرام، وكذلك الابتعاد عن العنصرية والغمز واللمز، والحذر من الفتيات الاجنبيات، والابتعاد عن الانانية والسيطرة وحب الذات، والجدية في الدراسة، والابتعاد عن العبث واللهو، وتقدير قيمة الوقت.
اعداد: وليد سليمان